ومما ينتظم بذلك قول الشاعر في أبيات الحماسة1:

صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد2

فقوله: "صبا ما صبا" من الإبهام الذي لو قدرت ما قدرت تفسيره لم تجد له من فضيلة البيان ما تجد له مع الإبهام.

وعليه ورد قول أبي النواس:

ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح اللحظ حين أساموا

وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام

فقوله: "وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه" من هذا النمط المشار إليه، وهو من المليح النادر.

ومما يجري على هذا النهج قول الآخر في وصف الخمر:

مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي

والكلام على هذا البيت كالكلام على البيت الذي قبله.

ومثله ورد قول بعض المتأخرين: "فؤاد فيه ما فيه".

وعلى هذا ورد قولي في فصل من تقليد لبعض الوزراء، فقلت:

"وأنت مؤهل لواحدة متخلق لها غرر الجياد، وتناديها العلياء بلسان الإحماد، وتفخر بها سمر الأقلام على سمر الصعاد، فابسط يدك لأخذ كتابها، واسمع لطيب ذكرها بعد سعيك في طلابها، واعلم أن الخطاب إليها كثير لكنها صدت بك عن خطابها، ولقد مضى عليها زمن وهي تفور، حتى استقادها تأنيسك، ولم تسبق الأقدار باسمك إلا لتكون سليمانها، وهي بلقيسك".

طور بواسطة نورين ميديا © 2015