مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} 1
ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما جاءت في الشعر.
ولو قال الشاعر بدلًا من "مقاعد العواد" "مقاعد الزيارة"، أو ما جرى مجراه، لذهب ذلك القبح، وزالت تلك الهجنة، ولهذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن، وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف الرضي.
وعلى هذا ورد قول تأبَّط شرًّا:
أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الجحر معور2
فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه؛ لأن "الجحر" يطلق على كل ثقب كثقب الحية واليربوع، وعلى المحل المخصوص من الحيوان، فإذا ورد مهملًا بغير قرينة سبق إلى الوهم ما يقبح ذكره، لاشتهاره به دون غيره.
ومن ههنا ورد قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "المؤمن لا يلسع من حجرٍ مرتين" وحيث قال: "يلسع" زال اللبس؛ لأنَّ اللسع لا يكون إلا للحيَّة وغيرها من ذوات السموم.
وأما ما ورد مهملًا بغير قرينة فقول أبي تمام3:
أعطيت لي دية القتيل وليس لي ... عقلٌ ولا حقٌ عليك قديم4
فقوله: "ليس لي عقل" يظنَّ أنه من "عقل الشي" إذا علِمَه، ولو قال: "ليس لي عليك عقل" لزال اللبس.