قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: هُوَ أعْلَمُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الغِوَايَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهَا نزلَتْ في أَبِي طَالِبٍ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقَدْ كَانَ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ، ويَقُومُ في صَفِّهِ ويُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا طَبِيعِيًّا لَا شَرْعِيًّا، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ وَحَانَ أَجَلُهُ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى الإيمَانِ، وَالدُّخُولِ في الإِسْلَامِ، فَسَبَقَ القَدَرُ فِيهِ، وَاخْتُطِفَ مِنْ يَدِهِ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَللَّهِ الحِكْمَةُ التَّامَّةُ (?).
وَإِنَّ الإِنْسَانَ لَيَقِفُ أمَامَ هَذَا الخَبَرِ مَأْخُوذًا بِصَرَامَةِ هَذَا الدِّينِ وَاسْتِقَامَتِهِ، فَهَذَا عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَكَافِلُهُ وحَامِيهِ وَالذَّائِدُ عَنْهُ، لَا يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ الإِيمَانَ، عَلَى شِدَّةِ حُبِّهِ لرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشِدَّةِ حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يُؤْمِنَ. ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ إِلَى عَصَبِيَّةِ القَرَابَةِ وحُبِّ الْأُبُوَّةِ، وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَى العَقِيدَةِ. وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ هَذَا مِنْهُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَا كَانَ يُحِبُّهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ويَرْجُوهُ. فَأَخْرَجَ هَذَا الأَمْرَ -أَمْرَ الهِدَايَةِ- مِنْ حِصَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَجَعلَهُ خَاصًّا بِإِرَادَتِهِ سُبْحَانَهُ وتَقْدِيرِهِ. ومَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ، ومَا عَلَى الدَّاعِينَ بَعْدَهُ إِلَّا النَّصِيحَة. وَالقُلُوبُ بَعْدَ