لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَاضٍ فِي دَعْوَتِهِ، وأصْحَابُهُ يَزِيدُونَ ويَكْثُرُونَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَأَنَّ كُلَّ مُحَاوَلَاتِهَا فِي الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَصَرْفِ النَّاسِ عَنِ الاسْتِجَابَةِ لِدَاعِي اللَّهِ تَعَالَى قَدْ فَشِلَتْ، رَأَتْ أَنْ تُجَرِّبَ أُسْلُوبًا آخَرَ مِنَ المُفَاوَضَاتِ والإِغْرَاءَ، تَعْرِضُ فِيهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- المَالَ، أَوِ الجَاهَ، أَوِ المُلْكَ والسُّلْطَانَ، ظنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ رُبَّمَا يُغْرِيهِ بَرِيقُ هَذهِ العُرُوضِ.
رَوَى ابنُ إسْحَاقَ: أَنَّ عُتْبَةَ بن ربِيعَةَ (?) -وكَانَ سَيِّدًا مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وكَانَ قَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ مِنْ عُمُرِهِ- قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَحْدَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَلَا أَقُومُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأُكُلِّمَهُ وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلُّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا، فَنُعْطِيَهُ أيَّهَا شَاءَ، ويَكُفَّ عَنَّا؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا أبَا الوَليدِ، قُمْ إِلَيْهِ فَكَلِّمْهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ