البخاري كثيرًا, وعقد لها كتابًا في الجامع الصحيح وعناه بقوله: وقال بعض الناس: قالوا إن أحكام الله شرعت لجلب مصالح إلينا أو دفع مضار, ومن أمحل المحال أن يشرع من الحيل ما يسقط شيئًا أوجبه, ويحل شيئًا حرَّمه, ولعن فاعله, آذنه بالحرب كالربا, ويسوغ التوصل إليه بأدنى حلية. ولو أن المريض تحيَّل فأكل ما نهى عنه الطبيب لكان ساعيًا في ضرر بدنه, وعُدَّ سفيها مفرطًا.
ومن أكثر الناس ردًّا للحيل الحنابلة، ثم المالكية، لأنهم يقولون بسد الذرائع، وهو أصل مناقض للحيل تمام المناقضة، والحق أنه لا حقَّ لهم في الإنكار لأصلها، فإنَّ لها أصلًا في الشريعة جملة التوسعة التي فتحها الله على عباده.
قال تعالى لنبيه أيوب -عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} 1 إذ حلف أن يضرب زوجه مائة سوط, فأمره أن يجمع مائة من شماريخ ويجعلها ضغثًا, ويضربها مرة واحدة, فكأنه ضربها مائة سوط، فذلك تحلة أيمانه, قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} 2، وقال تعالى: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} 3، وقال -عليه السلام: "حتى تذوق عسيلتها وتذوق عسيلتك" 4، ولعن من أفرط في التحيل فقال: "لعن الله المحلِّلَ والمحلَّل له" 5، وفي الصحيحين قال -عليه السلام- لبلال: "بع الجمع بالدراهم, ثم ابتع بالدراهم جنيبًا" 6, والجمع نوع من تمر خيبر رديء, والجنيب نوع جيد, ولم