وأَمَّا شَرَفُهَا فلأَنَّهَا ملاَزمِةٌ لاَ تزولُ، ودَائمةٌ لاَ تُمَلُّ، وثمرتُهَا فِي الدَّارِ الآخرةِ، وَالقَادرُ علَى الشريفِ إِذَا رَضِِي بِالخسيسِ الفَاني كَانَ مُصَابًا فِي عقلِهِ محزونًا بشقَاوتِه، وأَقلُّ أَمرٍ فِيهِ أَنَّ الفضَائلَ النّفسيَّةَ لاَ سيَّمَا العِلْمُ وَالعملُ لاَ تحتَاجُ إِلَى أَعوَانٍ وَحَفَظَةٍ، بخلاَفِ المَالِ فإِنَّ العِلْمَ يَحْرُسْكَ، وأَنتَ تَحْرُسُ المَالَ، وَالعِلْمُ يزيدُ بِالإِنفَاقِ، وَالمَالُ ينقُصُ بِهِ، وَالعِلْمُ مَانعٌ مِنَ الرّذَائلِ، وَالمَالُ قَد يُفْضِي إِلَى الرَّذِيلَةِ، ولذلك ذَمَّهُ اللَّهُ فِي القرآنِ فِي موَاضعَ.

وقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدّينِ فِي (القوَاعدِ) هذَا مختصٌّ بدَارِ المِحْنَةِ، وأَمَّا دَارُ الكَرَامَةِ وهي الجَنَّةُ فإِنَّ اللّذةَ تحصلُ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ يتقدَّمُهَا، أَو يقترِنُ بِهَا؛ لأَنَّهَا +خُرِقَتْ فِيهَا العَادةُ فِيجِدُ أَهلُهَا لذَّةَ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ،+ ولذَّةُ الطعَامِ مِنْ غَيْرِ جوعٍ، قَالَ: وكذلك +خُرِقَتِ العَادةُ فِي العُقُوبَاتِ، فإِنَّ أَقلَّ عقوبَاتِ الآخرةِ لاَ يبقَى مَعَهُ فِي هذه الدَّار حيَاة، وأَمَّا تِلْكَ الدَّارُ فإِنَّ أَحدَهم لَتَأَتِيَهُ أَسبَابُ الموتِ مِنْ كلِّ مكَانٍ ومَا هو بميِّتٍ انْتَهَى.

وذهبَ محمَّدُ بْنُ زكريَّا إِلَى أَنَّ اللّذَّةَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ، وهو الخلاَصُ مِنَ الأَلمِ، وزيَّفَهُ الإِمَامُ بمَا إِذَا وقَعَ البصرُ علَى صُورَةٍ حسنةٍ، فإِنَّه يَلْتَذَّ بإِبصَارِهَا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شعورٌ بِهَا، حتَّى يجعَلَ تِلْكَ اللذَّةَ خُلَاصًا عَنِ أَلَمِ الشَّوْقِ إِليهَا، وكذلك قَد يَحْصُلُ للإِنسَانِ لَذَّةٌ عظيمةٌ بِالعثورِ علَى كَنْزِ مَالٍ فَجْأَةً.

وَقِيلَ اللَّذَّةُ إِدرَاكُ المُلاَئِمِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سينَا فِي بَعْضِ كُتُبهِ.

وقَال فِي (الشِّفَاءِ) إِدرَاكُ المُلاَئِمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ملاَئِمٌ.

وقَال المُصَنِّفُ تبعًا للسَّمَرْقَنْدِيِّ فِي (الصحَائفِ): الحقُّ أَنَّ الإِدرَاكَ/ (256/أَ/م) لَيْسَ نفسُ اللَّذَّةِ بَلْ مَلْزُومُهَا.

وفِي (المَحْصُولِ) فِي القِيَاسِ: إِنَّ الصّوَابَ أَنَّهَا لاَ تُحَدُّ، لأَنَّهَا مِنَ الأُمُورِ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015