ش: ذَكَرَ المُصَنِّفُ هُنَا مِنْ عِلْمِ الحِكْمَةِ ثلاَثةُ أُمُورٍ: الْمَكَانُ وَالخلاَءُ، وَالزَّمَانُ.
وأَمَّا المَكَانُ فَنَقَلَ فِيهِ المُصَنِّفُ ثَلاَثَةَ أَقوَالٍ:
أَحَدِهَا: أَنَّهُ السَّطْحُ البَاطِنُ لِلْجِسْمِ الحَاوِي المُمَاسِّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنَ الجِسْمِ المَحْوِيِّ، كَالسَّطْحِ البَاطِنِ مِنَ الكَوْنِ المُمَاسِّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِر مِنَ المَاءِ/ (253/ب/د) الذي فِيهِ، وهو علَى هذَا عَرَضٌ؛ لأَنَّ السَّطْحَ عَرَضٌ فَهُوَ المُنَاسَبَةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجِسْمَيْنِ وإِلَى هذَا مَالَ الغَزَالِيُّ فِي كتَابِ (مَقَاصِدِ الفَلاَسِفَةِ) وقَالَ: إِنَّهُ الذي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ أَرِسْطَاطَالِيسَ، ورَجَعَ إِلَيْهِ الْكُلُّ.
وقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: قَالَ بِهِ أَرِسْطَاطَالِيسُ وجمهورُ أَتبَاعِهِ كَالفَارَابِيِّ وَابْنُ سِينَا.
وقَالَ الآمِدِيُّ فِي (الأَبْكَارِ) إِنَّهُ الأَشْبَهُ علَى أَصُولِ الفَلاَسِفَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ بَعْدَ مَوْجُودٍ يَنْفَذُ فِيهِ ذَاتُ الْجِسْمِ، ويَسْرِي فِيهِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنْ أَفلاَطُونَ وَغَيْرُهُ.
الثَّالِثِ: أَنَّهُ بَعْدَ مفروضٍ مُقَدَّرٍ، وهو قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ المكَانِ مِنْ قُدَمَاءِ الفلاَسفةِ، ونُسِبَ إِلَى جَحْدِ الضَّرُورِيَّاتِ.
ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ الْبُعْدَ هو الْخَلاَءُ، فَيَكُونُ المكَانُ علَى الْقَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ خَلاَءً مَوْجُودًا ومُقَدَّرًا.
قَالَ الإِمَامُ: القَائلونَ بِأَنَّ المكَانَ هو الفَضَاءُ فَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْمُتَكَلِّمُونَ، يقولُونَ: هذَا الفَضَاءُ وَالخَلاَءُ عَدَمٌ مَحْضٌ ونَفْيٌ صِرْفٌ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ الْبَتَّةَ.
الثَانِيَةُ: الفلاَسفةُ، يقولونَ: هذَا الخَلاَءُ أَبْعَادٌ مَوْجُودةٌ قَائمةٌ بِنَفْسِهَا وهي أَمْكِنَةُ الأَجسَام، وهو اختيَارُ أَفْلاَطُونَ وَغَيْرِه، ثُمَّ اختَلفوا فقِيلَ: لاَ امتنَاعٌ