أَذْرُع، فحينئذ يسرع في المَشْي، ويسعى سَعْياً شديداً، وكان ذلك الميل موضوعاً على متن الطريق في الموضع الذي منه يبتدأ السَّعي إعلاماً، وكان السَّيْلُ يهدمه، فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد، ولذلك سمي مُعَلَّقاً، فوقع متاخراَ عن مبتدأ السعي بستة أذرع، لأنه لم يكن موضع أليق منه على الأعلى، ويديم السَّعْيَ حتى يتوسط بين المِيَليْنِ الأخضرين اللذين أحدهما يتصل بفناء المسجد عن يسار السَّاعى، والثاني متصل بدار العَبَّاسِ فإذا حاذاهما عاد إلى سَجِيَّةِ المَشْيِ، حتى ينتهي إلى المَرْوَة.
قال القاضي الرّوَيانِي وغيره: هذه الأساس كانت في زمان الشافعي -رضي الله عنه- وليس هناك اليوم دار تعرف بِدَار العبَّاس، ولا ميل أضخر وتغيرت الأسامي.
وإذا عاد من المروة إلى الصَّفَا سعى في موضع سَعْيِهِ أولاً، ومشى في مَوْضِع مَشْيهِ، وليقل في سعيه "رَبِّ اغْفرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ إنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأكْرَمُ" (?) وليكَن من دعائه على الجبلين ما يؤثر عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ وَطَاعَتِكَ وَطَوَعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ وَيُحِبُّ مَلاَئِكَتِكَ وُرُسُلكَ وعبَادِكَ الصّالِحِين، اللَّهُمَّ آتِنِي مِنْ خَيْرِ مَا تؤتي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الأَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، واجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" (?) وجميع ما ذكرناه من وَظَائِفِ السعي قولاً وفِعلاً مشهور في الأَخْبَارِ.
قال الغزالي: وَالتَّرَقِّي وَالدُّعَاءُ وَسُرْعَةُ المَشْي سُنَنٌ، وَلَكِنَّ وُقُوعَ السَّعْي بَعْدَ طواف ما شَرْطٌ، فَلاَ يَصِحُّ الابْتِدَاءُ بِهِ، فَإِنْ نَسِيَ بَعْدَ طَوَاف القُدُومِ لاَ يُسْتَحَبُّ الإعَادَةُ بَعْدَهُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَشُرُوطُ الصَّلاَةِ بِخِلاَف الطَّوَاف.
قال الرافعي: "لِما تكلم في وظائف السَّعْي مخلوطةً واجباتها بسننها، أراد الآن أن يميز بينهما، فمن السنن: الرُّقِي (?) على الصَّفَا والمَرْوة، والواجب هو السَّعْيُ بينهما، وقد يتأتى ذلك من غير رُقِي بأن يلصق العقب بأصل ما يسير منه، ويلصق رؤوس أصابع رِجْلَيْهِ بما يسير إليه من الجَبَلَيْنِ.