الحارثِ بنِ أبِي شمر الغسانيَّ (?):
فَإِنْ تَحْيَا لاَ أَمْلِكْ حَيَاتِي، وَإِنْ تَمُتْ ... فَمَا فِي حَيَاتِي بَعْدَ مَوْتِكَ طَائِلُ ...
فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وَغُودِرَ بِالْجَوْلاَنِ حَزْمٌ ونَائِلُ
فقولُه: «آبَ مُضِلُّوه» يعنِي: رَجَعَ دَافِنُوهُ في قَبْرِهِ. (بعينٍ جَلِيَّةٍ) أي: بخبرٍ يقينٍ أنه قد مَاتَ. ومن هذا المعنَى: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: آية 10] {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: آية 24] أي: غَابَ وَاضْمَحَلَّ. وقولُ الشاعرِ (?):
أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرْكَ الدِّيَارُ ... عَنِ الْحَيِّ الْمُضَلَّلِ أَيْنَ سَارُوا
يعنِي بالحيِّ المضللِ: الذين ذَهَبَتْ بهم الأيامُ والليالِي فَمَاتُوا وَغَابُوا.
ويطلقُ الضلالُ أيضًا في القرآنِ، وفي لغةِ العربِ على: الذهابِ عن معرفةِ حقيقةِ الشيءِ، فكلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حقيقةَ شيءٍ تقولُ العربُ: «ضَلَّ». وهذا ليس من الضلالِ في الدينِ، وإنما هو الذهابُ عن علمِ معرفةِ الشيءِ. وهذا الإطلاقُ كثيرٌ في القرآنِ، ومنه على أَصَحِّ التفسيراتِ: قولُه تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7)} [الضحى: آية 7] أي: ذَاهِبًا عما تَعْلَمُهُ الآنَ من العلومِ والأسرارِ، فهداكَ إليه بالوحيِ؛ لأنه لا يُعْلَمُ إلا بالوحيِ. ومنه بهذا المعنَى: قولُ أولادِ يعقوبَ في حَقِّ أَبِيهِمْ: {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ (95)} [يوسف: آية 95] {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (8)} [يوسف: آية 8] يعنونَ: لَفِي ذهابٍ عن حقيقةِ الأمرِ، حيث فَضَّلَ ابْنَيْنِ على عشرةِ بنينَ، وحيث