الكريمِ إلا وَجَدْتَ فيها هذا الواعظَ الأكبرَ، والزاجرَ الأعظمَ (سميعٌ عليمٌ)، (عليمٌ حكيمٌ)، (سميعٌ بصيرٌ) يَعْلَمُ كذا. لا تكادُ تجدُ ورقةً إلا فيها أن اللَّهَ يعلمُ ما نفعلُ، وهذا أكبرُ واعظٍ، وأعظمُ زاجرٍ، وقد ضَرَبَ العلماءُ لهذا مثلاً قالوا: لو فَرَضْنَا أن في هذا البراحَ من الأرضِ مَلِكًا عَظِيمًا شديدَ البَأْسِ، عظيمَ النكالِ، شديدَ الغضبِ إذا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُهُ، قَتَّالاً للرجالِ، سَفَّاكًا للدماءِ، وحولَه سَيَّافُهُ، والنطعُ مبسوطٌ، والسيفُ يقطرُ دَمًا، وحولَ هذا الْمَلِكِ بناتُه ونساؤُه وجواريه، أيخطرُ في البالِ أن أحدًا من الحاضرين يُطِلُّ بريبةٍ أو غمزةٍ، أو إشارةِ عينٍ؟! لاَ وكَلاَّ، كُلُّهُمْ خَاضِعُ الطرفِ، خاشعُ الجوارحِ، أُمْنِيَتُهُ السلامةُ (?).
ونحن نؤكدُ لكم أن خالقَ السماواتِ والأرضِ أعظمُ اطِّلاَعًا، وأشدُّ بَطْشًا، وأفظعُ فَتْكًا إذا انْتُهِكَتْ حرماتُه جل وعلا.
فعلى الإنسانِ أن يعلمَ أن هذا الواعظَ الأكبرَ، والزاجرَ الأعظمَ، أن رَبَّهُ يسمعُ ما يقولُ، ويعلمُ ما يَنْوِي وما يفعلُ، إذا عَلِمَ الإنسانُ هذا فإنه يُحاسِبُ ويطيعُ رَبَّهُ، فلو عَلِمَ أهلُ بلدٍ من البلادِ أن أميرَ ذلك البلدِ يعلمُ كُلَّ ما يفعلونَه بالليلِ من الخسائسِ والدسائسِ بَاتُوا مُتَأَدِّبِينَ، كَافِّينَ عن كُلِّ ما لا ينبغي.
وهذا خالقُ السماواتِ والأرضِ- مع عظمتِه وجلالِه- يُبَيِّنُ لخلقِه أنه مُطَّلِعٌ عليهم، عَالِمٌ بما يفعلونَ، ومع هذا لا يَتَأَدَّبُونَ، ولا يَنْزَجِرُونَ!! فهذه وقاحةٌ عُظْمَى، وجهلٌ كبيرٌ؛ ولأجلِ هذا أَنْتُمْ تعلمونَ في آياتٍ من كتابِ اللَّهِ أن اللَّهَ بَيَّنَ أن الحكمةَ التي خَلَقَ من أجلِها الخلائقَ، والموتَ والحياةَ، والسماواتِ والأرضَ، هي أن يَبْتَلِيَهُمْ على ألسنةِ رُسُلِهِ، أيهم يحسنُ