وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - همَّ أن يمنعَ وطءَ النساءِ إذا كانت تُرْضِعُ أَوْلاَدَهُنَّ؛ لأن العربَ كانوا يظنونَ أن المرأةَ إذا أتاها زوجُها وهي ترضعُ أن ذلك الوطءَ يُضْعِفُ عظمَ ولدِها ويضرُّه، هذا كان مَشْهُورًا عندَ العربِ، وكانوا إذا رَمَى الرجلُ بالسيفِ فَنَبَا سيفُه عن الضريبةِ ولم يَقْطَعْ، قالوا: هذا رَجُلٌ وُطِئَتْ أُمُّهُ وهو يَرْضَعُ، كما قال شاعرُهم (?):

فَوَارِسُ لَمْ يُغَالُوا فِي رَضَاعٍ ... فَتَنْبُو فِي أَكُفِّهِمُ السُّيُوفُ

فَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ فَارِسُ والرومُ أنهم يفعلونَ ذلك ولا يضرُّ أولادَهم أخذَ هذه الخطةَ الطبيةَ من الكفارِ (?).

والقصدُ أن نُنَبِّهَ إخوانَنا على أن دينَ الإسلامِ دينُ تَقَدُّمٍ في الميدانِ، ودينُ قوةٍ، ليس دينَ جمودٍ، ولا دينَ إخلادٍ إلى الأرضِ، بل هو دينُ كفاحٍ وقوةٍ وجهادٍ وَتَقَدُّمٍ في الميدانِ، وَقَوْدُ الدنيا وإضاءتُها بالنورِ إلى ما ينفعُها في دنياها ودينها، وقد نَظَّمَ اللَّهُ فيه- في كتابِه- علاقاتِ البشرِ في الدنيا والآخرةِ، وأوضحَ لهم ما يَحْيَوْنَ به في الدنيا حياةً سعيدةً، ويَحْيَوْنَ به الحياةَ الأبديةَ بعدَ الموتِ حياةً سعيدةً، فعلى المسلمِ أن يعلمَ أن دينَ الإسلامِ دينُ كفاحٍ وتقدمٍ في الميدانِ، إلا أنه يجبُ فيه المحافظةُ على طاعةِ خالقِ هذا الكونِ؛ لأَنَّ هذا الكونَ له خالقٌ هو الذي خَلَقَهُ، ومَلِكٌ هو الحكمُ العدلُ فيه، ولم يترك الناسَ سُدًى. أَمَرَهَمُ وَنَهَاهُمْ، فلابد أن تطاعَ أوامرُه، وَتُسْلَكَ طرقُه التي أَمَرَ بها، وكلُّ ذلك ما فيه للإنسانيةِ إلا خيرُ الدنيا

طور بواسطة نورين ميديا © 2015