حتى وصلوا المدينةَ. ومن أشهرِ ما حَصَلَ في طريقِهم إلى المدينةِ قصةُ أُمِّ معبدٍ، وقصةُ سراقةَ بنِ مالكِ بنِ جعشمَ. وَمِمَّا نَزَلَ من القرآنِ في هذا السفرِ، نَزَلَتْ فيه آياتٌ من القرآنِ منها قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: آية 85] قال بعضُ العلماءِ: نَزَلَتْ في الجحفةِ في سفرِ الهجرةِ هذا، وفي هذا السفرِ مَرَّ على ديارِ بَنِي مُدْلِجٍ، يقول بعضُهم: هي قريبٌ من قديدٍ فقال رَجُلٌ: رأيتُ أشخاصًا كأنهم القومُ الذين يطلبهم قريشٌ. فعلم سراقةُ بنُ مالكٍ أنهم هُمْ، ولكنه طَمِعَ بأن يأخذَهم أو يقتلَهم فينال الجعائلَ التي جَعَلَتْهَا قريشٌ. فقال: لاَ، أولئك قومٌ خرجوا للكلأ. ثم بعدَ هنيهةٍ خَرَجَ وَأَمَرَ جاريتَه أن تُسْرِجَ فرسَه من وراءِ أَكَمَةٍ، ثم خرج مختفيًا فركب على فرسِه، فلما قاربَهما سَاخَتْ به قوائمُ فَرَسِهِ في الأرضِ، في القصةِ المشهورةِ، فطلب الأمانَ من رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (?)،
قال بعضُ أهلِ السيرِ والأخبارِ: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ له رقعةً، وصار يُثَبِّطُ الناسَ ويردُّهم عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَمِعَ بذلك الخبيثُ أبو جَهْلٍ، وأرسل إلى بَنِي مُدْلِجٍ يحذرُهم من نصرِ سراقةَ لِنَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ويقولُ أبو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ في ذلك أشعارًا في غايةِ الكفرِ، ويعيبُ على سراقةَ نصرَه لِنَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ومما يقولُ في ذلك (?):
بَنِي مُدْلِجٍ إِنِّي أَخَافُ سَفِيهَكُمْ ... سُرَاقَةَ مُسْتَغْوٍ لِنَصْرِ مُحَمَّدِ