ومن شواهدِه العربيةِ المشهورةِ ما أَنْشَدَهُ الفراءُ من قولِ الشاعرِ (?):
تُولِي الضَّجِيعَ إِذَا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا ... عَذْبَ الْمَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلُ
يعني بقولِه «ما اتّابع»: تَتَابَعَ.
ومعنَى {اثَّاقَلْتُمْ} تَثَاقَلْتُمْ، أي: تَكَاسَلْتُمْ وتباطأتُم وتقاعستُم عن الخروجِ في سبيلِ اللَّهِ لغزوِ الكفارِ.
ثم إن اللَّهَ أَنْكَرَ عليهم إنكارًا قويًّا بأداةِ الإنكارِ التي هي الهمزةُ في قولِه: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} قد تَقَرَّرَ في عِلْمِ العربيةِ أن لفظةَ (مِنْ) تأتِي بمعنَى البدلِ (?)، كقولِه: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ} [الزخرف: آية 60] أي: لَجَعَلْنَا بَدَلَكُمْ ملائكةً في الأرضِ {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} أي: بدلَ الآخرةِ، وإتيانُ (مِنْ) بمعنَى البدلِ، أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (?):
فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبةً ... مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلَى طَهَيَانِ
يعنِي ليس لنا شربةٌ باردةٌ مكانَ زمزمَ؛ لأنه يُؤْخَذُ حارًّا، ويُروَى:
فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ حَمْنَانَ شَرْبةً ... مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى طَهَيَانِ
وَالطَّهَيَانُ: عُودٌ كانوا يجعلونَه مرتفعًا فِي جانبِ البيتِ متلقيًّا للهواءِ يعلقونَ عليه الماءَ ليبردَ (?).