الوضع العام بعد فتح خيبر

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد.

فمع الدرس السابع من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين.

تحدثنا في الدروس السابقة عن بعض آثار صلح الحديبية المجيدة، ومن هذه الآثار -كما ذكرنا في الدرس السابق-: فتح خيبر، والآن نقف وقفة لتحليل الوضع بعد فتح خيبر.

تحليل الوضع في أوائل العام السابع من الهجرة: أولاً: حيّد جانب قريش، وبدأت الأرض تتناقص من حول قريش، وشعرت قريش بعظمة الدولة الإسلامية وخاصة بعد فتح خيبر، وكانت قريش تعتبر خيبر من أقوى حصون الجزيرة العربية مطلقاً، وكانت تعتبر اليهود من أشد الناس قتالاً ومن أقواهم عدة، فكانت هزيمة اليهود في خيبر ضربة كبيرة جداً ليس لليهود فقط، ولكن لقريش في عقر دارها، لم تتصور قريش أن المسلمين بلغوا من القوة إلى الدرجة التي تمكنهم من فتح خيبر.

ثانياً: أمن المسلمون جانب اليهود بعد هزيمتهم في خيبر، وأصبح للمسلمين اليد العليا بلا منازع في الصراع الذي بينهم وبين اليهود بصفة عامة، ورأينا قبل هذا أن المسلمين لم يكتفوا فقط بفتح خيبر، ولكنهم فتحوا أيضاً وادي القرى وتيماء وفدك، يعني: جميع التجمعات اليهودية الموجودة في شمال المدينة المنورة.

ثالثاً: ازدادت قوة المسلمين بشكل ملحوظ، وكان ارتفاع الروح المعنوية عند المسلمين عالياً جداً؛ لأن فتح خيبر كان فيه خير كثير جداً للأمة الإسلامية، ليس من الجانب العسكري فقط، ولكن من الجانب الاقتصادي أيضاً، وذكرنا قول السيدة عائشة رضي الله عنها عندما قالت: ما شبعنا من التمر إلا بعد فتح خيبر.

وكذلك قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

وفوق ارتفاع الروح المعنوية انضم المسلمون من أماكن مختلفة في الجزيرة العربية إلى قوة المدينة المنورة، وجاء المسلمون من الحبشة، وهذا حدث تزامن مع فتح خيبر ولم نذكره في الدرس الماضي، ففي أواخر خيبر بعد أن تم فتح خيبر جاء جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه والمهاجرون من الحبشة، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام أسهم لهم من أسهم خيبر؛ لأنه اعتبرهم مشاركين في الغزوة حيث جاءوا بهذه النية من الحبشة، فكانت إضافة كبيرة جداً للدولة الإسلامية، وقدم أيضاً الأشعريون وعلى رأسهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه من اليمن، وقدم كذلك الدوسيون وقبائل دوس قبائل كبيرة من اليمن، جاءت أيضاً في ذلك الوقت وعلى رأسهم الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه وأرضاه، وقدم المسلمون من قبائل أخرى كبيرة إلى المدينة المنورة، وازدادت أعداد المسلمين بعد فتح خيبر أو بعد صلح الحديبية، بل إن المسلمين قدموا أيضاً من مكة المكرمة ذاتها، بعد أن تنازلت قريش عن بند إعادة المسلمين المهاجرين من مكة إلى المدينة، بعد الحرب التي شنها عليهم أبو بصير رضي الله عنه وأرضاه وأصحابه، كما ذكرنا في الدروس السابقة، وبدأت قوة الدولة الإسلامية تنمو، وفي نفس الوقت بدأت قوة قريش تقل، ثم إن هناك عدداً كبيراً من العرب بعد صلح الحديبية أسلم ودخل في صف المسلمين، لم يكن يقوى على إعلان إسلامه قبل صلح الحديبية.

إذاً: بعد أن وضعت الحرب في الجزيرة العربية أوزارها وأمن الناس جانب قريش دخل في الإسلام من كان متردداً.

رابعاً: بقي من الأعداء القدامى للمسلمين قبيلة غطفان، وقبيلة غطفان مجموعة من المرتزقة يؤجرون للهجوم على الغير، استأجرهم قبل ذلك اليهود لحرب المسلمين في الأحزاب، وحاصروا المدينة المنورة بستة آلاف مقاتل مع أربعة آلاف من قريش، وكان الجميع عشرة آلاف، وكانوا يريدون استئصال الدولة الإسلامية تماماً، ولهم تاريخ معقّد مع المسلمين، ففي أكثر من مرة يحدث منهم نوع من الغدر بالمسلمين وقتل عدد من المسلمين، وما أحداث بئر معونة وغيرها من الأحداث ببعيدة من المسلمين، وآخر الأحداث التي حصلت من غطفان كان حصار الأحزاب، ثم محاولة معاونة يهود خيبر في حربهم ضد المسلمين لولا أن فرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا التحالف الذي كان بين اليهود وبين غطفان، عن طريق إرسال سرية إلى غطفان كما فصلنا في الدرس السابق.

لقد تخلص المسلمون من عدوين: من قريش عن طريق المصالحة والمهادنة، ومن اليهود عن طريق الحرب كما في فتح خيبر، ولم يبق أمامهم سوى عدو واحد كبير وهو غطفان، بهذا التحليل أستطيع أن أحدد أهداف المرحلة القادمة.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015