دراسة السيرة النبوية لاستخراج مواقف تعيد بناء الأمة

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فمع الدرس الرابع من دروس السيرة النبوية: الفترة المكية.

أعيد فأذكر بأن هدف ومنظور هذه المجموعة: هو دراسة كيف نعيد بناء أمة الإسلام على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ دراسة السيرة من هذا المنطلق تعطيك أبعاداً مختلفة عن دراسة السيرة بالطريقة العادية التي ألفها الناس، تقرأ قصته من أول الميلاد إلى آخر لحظة من لحظات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس هذا هو المقصود من هذه المجموعة، فنحن أمام مشروع ضخم هو كيف نبني أمة؟ أنت عندما تريد أن تبني مبنىً كبيراً تعمل ما يسمى بدراسة الجدوى، تدرس طبيعة المكان، ومن الذي سيشتغل معك؟ ما هي التكاليف التي ستدفعها؟ ما هي المعوقات التي تقف أمامك؟ هذا الكلام أيضاً ينطبق على أمة الإسلام، لكن تخيل الفارق بين دراسة الجدوى لبناء مبنى ضخم، وبين دراسة الجدوى لبناء أمة كاملة، لابد في دراسة السيرة لهذا الموضوع أن نبحث في كل نقطة من زوايا السيرة، لماذا فعل ذلك؟ ومتى فعل؟ وما هي الظروف الموجودة حول الرسول صلى الله عليه وسلم التي اختار هذا الرأي لأجلها؟ وما هي الحكمة من وراء اختيار هذا الرأي، هذا الذي يجعلنا نبني الأمة كما بناها الرسول صلى الله عليه وسلم.

يعرف الناس السيرة من أولها إلى آخرها، يعرفون متى ولد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وكيف ولد؟ وكيف عاش الفترة التي نزل فيها الوحي عليه، وكيف بدأت الدعوة في مكة إلى أن هاجر من مكة، ثم موقعة بدر وأحد وهكذا كل الغزوات لدينا تفاصيل كثيرة جداً عنها، لكن نحن لا نبحث عن هذه الأشياء، نحن نبحث عن أشياء أخرى فيما وراء الأحداث، يعني: لماذا بدأ بفلان وفلان وفلان ولم يبدأ بغيرهم؟ لماذا دعا أبا بكر أولاً؟ لماذا تحدث إلى السيدة خديجة وزيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب مع وجود أناس كثير؟ لماذا بدأ أبو بكر بدعوة هذا وهذا وترك الآخرين؟ لماذا جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة بعد مضي ثلاث سنين من نزول الوحي عليه؟ وماذا حصل بعد الجهر بالدعوة في مكة؟ هل حاربت الناس الدعوة لأنها ليست مقنعة أم أن الدعوة مقنعة، وإنما وقفوا أمامها لأسباب أخرى منعت الناس من دخول الدعوة؟ وهل هذه الأسباب تتكرر أم لا؟ ثم كيف وقف الرسول عليه الصلاة والسلام أمام هذه الأسباب؟ كيف عالجها؟ كيف آمنت مكة؟ لماذا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم لهجرة أصحابه الحبشة، ولم يأمرهم بالذهاب إلى اليمن أو الشام أو مصر أو العراق؟ ولما فكر بعد ذلك في الذهاب إلى المدينة المنورة بعث مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه يعلم الناس، لماذا اختار مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه من بين الصحابة؟ لماذا لم يبعث أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علياً أو غيرهم من الناس؟ لما خرج من مكة وذهب إلى الطائف لماذا لم يذهب إلى أي بلاد أخرى؟ كل هذه الأسئلة عندما نجيب عليها، ونفكر ونتدبر في هذه الأحداث سنخرج بقواعد في غاية الأهمية، هذا هو المقصود من هذه المجموعة: كيف نبني أمة؟ كيف يمكننا أن نضع قواعد لبنيان كالذي عمله الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ولا يمكن أن نقيم بنياناً قوياً إلا إذا قلدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في كل موقف من مواقفه، لكن لابد من مراعاة الظروف التي اختار الرسول صلى الله عليه وسلم فيها هذا الرأي أو ذاك؛ لتكتمل لنا متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015