مقدمة بين يدي ما بعد غزوة الأحزاب

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فلا شك أن دراسة التاريخ بصفة عامة من أهم الأمور في حياة البشر عامة، ومن أهم الأمور في حياة المسلمين بصفة خاصة؛ لأن هذا أمر إلهي مباشر في كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى، قال تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف:176].

ولا شك أن أروع القصص وأهمها هي قصة الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس فقط لكونها أحداثاً مشوقة ومواقف عجيبة، لا، لكن لأن السيرة النبوية جزء لا يتجزأ من الدين الإسلامي، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان قرآناً يمشي على الأرض، وحياته كانت تطبيقاً عملياً لكل توجيه رباني في الكتاب الكريم.

واتباع السنة المطهرة والطريقة التي كان يحيا بها صلى الله عليه وسلم أمر ضروري ولازم لرضا رب العالمين ولدخول الجنة، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31].

إذاً: كيف سنتبع الرسول عليه الصلاة والسلام من غير أن نعرف سيرته وحياته؟! كنا قد تحدثنا في محاضرات سابقة عن فترات هامة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، تحدثنا في مجموعة من المحاضرات عن العهد المكي في غاية الأهمية، وفي مجموعة أخرى من المحاضرات تحدثنا عن تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة خلاص الخمس السنوات الأولى من الفترة المدنية، فالسنوات الخمس الأولى كانت مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية، بدأت من الهجرة وانتهت بانتهاء غزوة الأحزاب.

وكانت مرحلة التأسيس مرحلة شاقة جداً ومرهقة، فقد تعددت فيها أنواع الصراع مع أعداء الأمة، فقد وجهوا كل طاقاتهم لمنع قيام الدولة الإسلامية، ولكن بفضل الله نجح المسلمون بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم في تأسيس دولتهم برغم كل هذه المعوقات، وبانتهاء غزوة الأحزاب انتهت هذه المرحلة الهامة لتبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية أبداً عن المراحل السابقة، عبر عنها صلى الله عليه وسلم بقوله الدقيق الذي يعبر عن دراية كاملة بوضعه ووضع العالم من حوله، قال صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزونا) يعني: نحن سنسير إليهم؛ لأن الدولة الإسلامية بفضل الله أصبحت من القوة بحيث أنها لا يمكن أن تستأصل، وبحيث أنه من الصعب جداً على الآخرين التفكير الجدي في غزو المدينة المنورة، هذه المرحلة الجديدة نستطيع أن نسميها مرحلة الانتشار والفتح والتمكين لدين رب العالمين سبحانه وتعالى.

سينتشر فيها دين الإسلام كما سنرى بسرعة مذهلة، ليس فقط في الجزيرة العربية، بل وما حولها، وسيتطور الأمر بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام لينتشر الإسلام في ربوع العالم المختلف.

هذه هي طبيعة بناء الأمة الإسلامية، تبدأ شاقة وعسيرة؛ لأن كل الأعداء على اختلاف توجهاتهم يتعاونون في حربها، ثم تخرج الأمة من عنق الزجاجة في وقت ما لتبدأ مرحلة الانتشار والفتح والتمكين.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015