. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إعْطَاءُ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الْغَنَائِمِ:
فَصْلٌ: وَأَمّا إعْطَاءُ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ حَتّى تَكَلّمَتْ الْأَنْصَارُ فِي ذَلِكَ، وَكَثُرَتْ مِنْهُمْ الْقَالَةُ، وَقَالَتْ:
يُعْطِي صَنَادِيدَ الْعَرَبِ وَلَا يُعْطِينَا، وَأَسْيَافُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنّهُ أَعْطَاهُمْ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْدُودٌ لِأَنّ خُمْسَ الْخُمْسِ مِلْكٌ لَهُ وَلَا كَلَامَ لِأَحَدٍ فِيهِ.
الْقَوْلُ الثّانِي: أَنّهُ أَعْطَاهُمْ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَأَنّ ذَلِكَ خصوص بِالنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وتعالى (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا يَرُدّهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ نُسَخِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، غَيْرَ أَنّ بعض العلماء احتج لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنّ الْأَنْصَارَ لَمّا انْهَزَمُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَيّدَ اللهُ رَسُولَهُ وَأَمَدّهُ بِمَلَائِكَتِهِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا حَتّى كَانَ الْفَتْحُ، رَدّ اللهُ تَعَالَى أَمْرَ الْمَغَانِمِ إلَى رَسُولِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْطِهِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إلَى رحالكم، فطيّب نفوسهم بذلك بعد ما فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ.
وَالْقَوْلُ الثّالِثُ: وَهُوَ الّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ إعْطَاءَهُمْ كَانَ مِنْ الْخُمْسِ حَيْثُ يَرَى أَنّ فِيهِ مَصْلَحَةً للمسلمين.