بهم، ولأنهم حين جعلوهم أسوة أجنادهم لم يقنعوا أن يكونوا في الحاشية والحشوة، وفي غمار العامة، ومن عرض العساكر، وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ما يجب لهم، ورأوا أن الضيم لا يليق بهم، وأن الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم في المقام على من لم يعرف حقهم ألوم ممن منعهم حقهم. فلما صادفوا ملكاً حكيماً، وبأقدار الناس عليماً، لا يميل إلى سوء عادة، ولا يجنح إلى هوىً، ولا يتعصب لبلد على بلد، يدور مع التدبير حيثما دار، ويقيم مع الحزم حيثما أقام أقاموا إقامة من منح الحظ، ودان بالحق، ونبذ العادة، وآثر الحقيقة، ورحل نفسه لقطيعة وطنه، وآثر الإمامة على ملك الجبرية، واختار الصواب على الإلف.
ثم اعلم بعد ذلك كله أن كل أمة وقرن وجيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في الآداب أو في تأسيس الملك، أو في البصر في الحرب. فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلا أن يكون الله تعالى قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، وقصرهم عليه بالعلل التي تقابل تلك