وورَدَ خبَرُ الحادثة الشَّنعاءِ [الكائنة] على بغدادَ (?) وهُو حينَئذٍ بمَرّاكُش، وكان يَذكُرُ أنه خَلَفَ ببغدادَ [نِسوةً قد كبِرْنَ] (?)، وكان يقولُ حينَئذٍ في مجالسِ وعظِه: واأسَفَا للمصيبةِ [العامّة بالمسلمين] والخاصّة بي! وكان قدومُه على مَرّاكُشَ صدرَ خمسٍ وخمسينَ وست مئة.
[ومَدَحَه] بعضُ أُدبائها بقصائدَ شكَرَها لهم ووقَعَتْ موقعَ استحسانٍ وسرورٍ [عندَه]. فممّا رأيتُ إثباتَه منها هنا قصيدةُ الأديب الكاتبِ البارع أبي موسى هارونَ بن عبد الله بن محمد بن هارونَ السُّمَاتيِّ الإشبيليِّ (?) نزيلِ مَرّاكُشَ رحمه الله، وهي [من الطويل]:
أواعِظَنا جَلّتْ لدينا بكَ النُّعمى ... فنِلنا الذي كنّا نَهيمُ به قِدْما
وأهدَتْ لنا بغدادُ منكَ غريبةً ... فلله ما أبهَى سَناها وما أسمى
حديقةَ فضلٍ أينَعَتْ زَهَراتُها ... فقد حَسُنت مَرأًى وفاحت لنا شَمّا
فلا انتقَلت عنّا ظلالُ نعيمِها ... ففي كلِّ حينٍ تُثمرُ العِلمَ والفهما
مواعظُ تَسرِي في النفوسِ لطافةً ... فتُبرِئُ من داءِ السَّقام بها سُقما
لقد هتَكَتْ حُجْبَ القلوبِ وإنّها ... بلُطف معانيها لَتستنزِلُ الغَمّا
وقمتَ بحقِّ الله في وعظِنا فلم ... تدَعْ غَرَضًا إلّا بَرَيْتَ له سهما
وأرسلتَها نحوَ القلوبِ، فكلُّها ... أصاب -لَعَمْري- مقتلَ الغَيِّ أو أَدْمى