فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة المائدة آية: 117] ؛ ففي هذه الآية أيضا: إبطال قول من ادعى علم الغيب، لغير الله تعالى الذي اختص بعلم الغيب، إلا ما أطلع عليه أنبياءه بوحيه إليهم؛ فإن قوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [سورة المائدة آية: 117] هذا وعيسى عليه السلام حي في السماء، فكيف بمن مات؟ !

وأخرج البخاري في الصحيح، عن ابن عباس، قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [سورة الأنبياء آية: 104] . ثم إن أول من يكسى يوم القيامة: إبراهيم عليه السلام، إلا أنه يؤتى برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال; قال: فأقول يا رب أصحابي; فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك; فأقول: كما قال العبد الصالح {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ} [سورة المائدة آية: 117] إلى قوله: {شهيد} ".

فدل على أن شهادته عليهم، إنما كانت وهو بين أظهرهم، وأما بعد مفارقته لهم، فأسند ذلك إلى الله تعالى، بقوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة المائدة آية: 117] . فليتأمل هذا التأكيد البليغ المفيد، لاختصاص الله بعلم الغيب، وأن الميت والغائب لا يعلم شيئا. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يستمد بمن لا يطلع على أحوال العباد

طور بواسطة نورين ميديا © 2015