نَفْسُكَ يابن الأَعْوَرِ الأَبَاطِيْلَ حَتَّى تَوَهَّمْتَ أَنَّ هَذِهِ الدَّوْلَةَ لا تَتِمُّ إِلَّا بِكَ وَأَنَّها لَمْ تَكْمَلْ إِلَّا بِأبيْكَ فَهَيْهَاتَ وَاللَّهِ لَوْلَا أنكَ مِنَ الطَّيْرِ عُصْفُوْرًا لَا تَمْلأُ يَدِي لأَمَرْتُ لِسَاسٍ يَأتِي بِرَأسِكَ فَأَرْبعَ عَلَى ظَلْعِكَ وَاعْرِفْ قَدْرَ نَفْسِكَ ولا تُجَاوِزْ حَدّكَ وَالسَّلَامُ. فَأَجَابَهُ ابْنُ طَاهِرٍ في ظَهْرِ رقْعَتِهِ: لَعُمْرَ أَبِي إِسْحَاقَ مَا قَالَ مُنْكرًا وَإِنِّي عَلَى صدْقِ الَّذِي قَالَ شَاكِرُهُ فَإِنَّ عِتَاقَ الطَّيْرِ تصْطَادُ قدرهَا وَلَسْتُ مِنَ الطَّيْرِ الَّذِي أَنْتَ صائِدُهُ قَدْ عَرِفْتُ مَا ضَمَّنْتَ كِتَابكَ مَا سَمَا بِي قَدَرِي وَهِمَّتِي وَالسَّيْفُ الَّذِي ضرَبَ بهِ أَبِي عِنْقَ أَخِيْكَ ففي عُنُقِي بعْدَ أنتظر مَتَى تَنْحَرِفُ بِوَجْهِكَ فَأضربُ بِهِ عُنُقكَ ثَمَّ قَالَ (?):
أَنَا النَّارُ فِي أَحْجَارِهَا مستَكِنّةٌ ... فَإِنْ كُنْتَ مَنْ تَقْدَح النَّارَ فَاقْدَحِ
أَنَا البَحْرُ في أذية مُتَلَاطِمٌ ... فَإِنْ كُنْتَ ممن يَسْبَحُ البَحْرَ فَاسْبَحِ
أَنَا اللَّيْثُ يَحْمِي الأَرْضَ فَأتِ زئيْرَهُ ... فَإِنْ كُنْتَ كَلْبًا حَانَ حَيْنكَ فَانْبحِ
ثمَّ وَجَّهَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ الرّقْعَةَ إِلَى المَأمُوْنِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهَا اسْتَدْعَى المُعْتَصِمَ وَدَفَعَ إِلَيْهِ الرّقْعَةَ فَقَرَأهَا فَقَالَ يا أَبَا إِسْحَاقَ لَوْ افتدَيْتَ هَذَا الجَّوَاب بِخرَاجِ مِصْرَ عَشْرَةَ سِنِيْنَ مَا كَانَ عوَضًا لَكَ وَلَقَدْ صَدَقَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ وَغَلِطْتَ فِيْمَا استصْغَرْتَ مِنْهُ، فَقَالَ المُعْتَصمُ يا أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ مَا عِنْدِي إِلَّا الصَّبْرُ عَلَى مضَضٍ مِنْهُ بِتَشْييْدِ صَنِيْعكَ وَأَنَا تَارِكٌ عِنَادَهُ أَبَدًا مَا بَقِيْتُ فَوَقَعَ قَوْلهُ ذَلِكَ مِنَ المَأمُوْنِ أَحْسَنَ مَوْقعِ وَأمَرَ بِمُصَالَحَتِهُمَا فَكَتَبَ المُعْتَصمُ إِلَى عَبْدُ اللَّهِ قَدْ كَانَتْ أُمُوْرٌ بَيْنَنَا وَبَيْنكَ مِثْلَمَا نَزَغَ الشَّيْطَانُ بين يوسف وأخوته، وَأَنَا أَقُوْلُ مَا قَالَ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
[من الطويل]
4263 - أَنَا النَّارُ في أُحْجَارِهَا مُسْتَكِنَّةٌ ... مَتَى مَا يهجِهَا قَادحٌ تَتَضَرَّمُ