الخصائص (صفحة 769)

باب في مراعاتهم الأصول تارة وإهمالهم إياها أخرى

...

باب في مراعاتهم الأصول للضرورة تارة, وإهمالهم إياها أخرى:

فمن الأول قولهم: صغت الخاتم, وحكت الثوب ونحو ذلك. وذلك أن فعلت هنا عدَّيت, فلولا أن أصل هذا فعلت -بفتح العين- لما جاز أن تعمل فعلت. ومن ذلك بيت الكتاب:

ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح1

ألا ترى أن أوّل البيت مبني على اطِّراح ذكر الفاعل, وأن آخره قد عوود فيه "الحديث عن الفاعل"2 لأن3 تقديره فيما بعد: ليبكه مختبط مما تطيح الطوائح. فدلَّ قوله: ليبك, على ما أراده من قوله: ليبكه. ونحوه قوله الله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} 4، {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} 5، هذا مع قوله سبحانه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} 6 وقوله عز وجل: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} 7 وأمثاله كثيرة. ونحو من البيت قول الله تعالى: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ"8 أي: يسبح له فيها رجال.

ومن الأصول المراعاة قولهم: مررت برجل ضارب زيد وعمرًا, وليس زيد بقائم ولا قاعدًا و {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} 9 وإذا جاز أن تراعى الفروع نحو قوله 10:

بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا

طور بواسطة نورين ميديا © 2015