وقال آخر: [من الرجز]
قبيلة في طولها وعرضها ... لم يطبقوا عينا لهم بغمضها
خوف البراغيث وخوف عضّها ... كأنّ في جلودها من مضّها [1]
عقاربا ترفضّ من مرفضّها ... إن دام هذا هربت من أرضها [2]
يا ربّ فاقتل بعضها ببعضها
قال: والبرغوث في صورة الفيل. وزعموا أنها تبيض وتفرخ، وأنهم رأوا بيضها رؤية العين. والبراغيث تناكح وهي مستدبرة ومتعاظلة [3] . وهي من الجنس الذي تطول ساعة كومها.
وليس الناس لشيء مما يعضّهم ويؤذيهم، من الجرجس، والبقّ، والبراغيث والذّبان- أشد استقذارا منهم للقمل. ومن العجب أنّ قرابته أمسّ. فأما قملة النّسر، وهي التي يقال لها بالفارسية: «دده» ، وهي تكون بالجبل، فإنها إذا عضّت قتلت.
حدّثني إبراهيم بن السّنديّ قال: لما كان أبي بالشام واليا، أحبّ أن يسوّي بين القحطانيّ والعدناني، وقال: لسنا نقدّمكم إلا على الطاعة لله عزّ وجلّ، وللخلفاء، وكلّكم إخوة، وليس للنّزاري عندي شيء ليس لليمانيّ مثله.
قال: وكان يتغدّى مع جملة من جلّة [4] الفريقين، ويسوّي بينهم في الإذن والمجلس. وكان شيخ اليمانية يدخل عليه معتمّا، وقد جذب كور عمامته حتى غطى بها حاجبه وكان لا ينزعها في حر ولا برد، فأراد فتى من قيس- وقد كان أبي يستخليه ويقرّبه- أن يسقطه من عين أبي ويوحشه منه، فقال له ذات يوم ووجد المجلس خاليا: إني أريد أن أقول شيئا ليس يخرجه مني إلا الشكر والحرية، وإلا