مسؤوليتنا أمام التاريخ واضحة: أن نرد على جميع هذه الهجمات، والتخلص من الشر العالمي". (هذا الكلام منقول) عن استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة (2001، ص6، المقدمة، وص5) (?).
هكذا تصدرت الأجندة العالمية في خريف عام 2002م إعلان أقوى دولة في التاريخ، نيتها الحفاظ على هيمنتها، سواء من خلال التهديد بالقوة المسلحة أم باستخدامها فعلاً، وهو بعد من أبعاد السيطرة والسلطان. وجاء في الصياغة الخطابية الرسمية للإستراتيجية: "يجب أن تكون قواتنا قوية بما فيه الكفاية لثني الخصوم المحتملين عن مواصلة بناء قوة عسكرية بأمل مضاهاة القوة الأمريكية أو تجاوزها". وهي حالة يجب أن تكون بنظر الإدارة الأمريكية دائمة، بحيث يتعذر على أية دولة أو مجموعة دول أن تتحدى في أي وقت الولايات المتحدة كزعيم للعالم يبسط حمايته، وينفذ إرادته بالقوة. ومن شأن هذه المقاربة أن تجعل المعايير الدولية الخاصة بالدفاع عن النفس والمكرسة، في المادة (51)، من ميثاق الأمم المتحدة، عديمة المعنى. وتؤكد الإستراتيجية الإمبريالية الكبرى على حق الولايات المتحدة في شن حرب وقائية على هواها ـ وقائية وليس استباقية ـ أي أن الحرب يمكن أن تكون لإزالة تهديد محتمل، أو مختلق وملفق، وهي حروب وأعمال تندرج في خانة جرائم الحرب (?).
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر إدارة بوش الأول، وجدت المؤسسة الدفاعية الأمريكية نفسها فجأة أمام سؤال وجودي. ما المنطق المحدد الكامن وراء الاحتفاظ بالقوات الأمريكية الجبارة والكبيرة مع الإبقاء على الميزانيات اللازمة لذلك في غياب (إمبراطورية الشر)؟ وهنا طلب ديك تشيني (?) وقد كان وزيراً للدفاع من مساعد وزير الدفاع (بول ولفوفيتز) أن يقوم بالتعاون مع رئيس الأركان (كولن باول)، بإعداد خطة لاستراتيجية دفاعية أمريكية جديدة ... وقد المح (باول) للاستراتيجية الجديدة في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب عام 1992م بقوله: "إن الولايات المتحدة بحاجه إلى قوة كافية من أجل ردع أي متحد عن ولو مجرد التفكير، بتحدينا على المسرح العالمي". وأضاف "أريد أن أكون فتوة الحارة" حتى لا يكون ثمة مستقبل لمن يخطر بباله أن يحاول تحدي قوات الولايات المتحدة المسلحة (?).
وهكذا فقد كانت الولايات المتحدة تحضر نفسها نظرياً منذ حرب الخليج .. لشيء جديد تصورته بعض مجموعات الخبراء القريبة من القوات البرية أو البحرية. إذ اعتبرت هذه المجموعات أن التفوق المطلق الذي حققته أمريكا بفضل تحكمها في الثورة الإليكترونية في مختلف المجالات (العسكرية، والفضائية، والاقتصادية والمالية)، سيقود مع العولمة، إلى آثار لا تحتمل. وظنت أن الدول والشعوب والطبقات المضحى بها، سوف تتحرك عبر مناورات غير منتظرة، "قد تأخذ في بعض الأحيان شكل الإرهاب، (سلاح الضعفاء). هذا الهجوم المعاكس سيتطلب من أمريكا قوة ابتكار متزايدة تحسباً لوضع كهذا، وفي خضم هذا التصور ولد المفهوم الأمريكي العام لـ (الحرب غير المتوازية) " (?).