فَأَما التفاصيل ودقائق الْأَحْكَام فِي أَعْيَان الخائضين فِي هَذَا الْفَنّ وَالَّذِي يُوضح بطلَان ذَلِك، أَنه لَو كَانَ سَبِيل الْعِلَل فِي الْأَحْكَام سَبِيل الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، لما تحقق وجودهَا إِلَّا مقتضية لأحكامها. فَلَزِمَ من ذَلِك ثُبُوت تفاصيل الْأَحْكَام قبل وُرُود الشَّرَائِع وَثُبُوت النبوات. وَهَذَا بَاطِل لما سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي نفي الْأَحْكَام قبل وُرُود الشَّرَائِع، وَهَذَا يُوجب أَيْضا منع النّسخ فِي التَّحْرِيم والتحليل، إِذا كَانَ الحكم مُعَلّقا فِيهِ بعلة. وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن الحكم الْمُتَعَلّق بضروب من الِاعْتِبَار - إِذا لم يكن من أصُول التَّعَبُّد والتكليف - فَيجوز تَقْدِير النّسخ فِيهِ.
1618 - فقد صورنا على الْخُصُوم تقدم الْعِلَل مَعَ انْتِفَاء " المعلومات " ثمَّ صورنا عَلَيْهِم بقاءها مَعَ نسخ أَحْكَامهَا. وَلَيْسَ ذَلِك من قضايا الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، فَإِن من شَرط الْعلَّة الْعَقْلِيَّة أَن لَا تَنْقَطِع عَن معلولها وَلَا تقدر إِلَّا مُوجبَة، فَإِنَّهَا إِذا كَانَت توجب الحكم لعينها، ثمَّ تصورت الحكم لعينها، ثمَّ تصورت عينهَا غير مُوجبَة، فَهَذَا يُفْضِي إِلَى قلب جِنْسهَا. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْعِلَل فِي الْأَحْكَام لَو كَانَ سَبِيلهَا سَبِيل الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَهِيَ تدل لَهُ بذواتها أَيْضا، فَلَا يتَصَوَّر حدث غير دَال على مُحدث، وَلَا اتقان غير دَال على عَالم، وَقد صورنا ثُبُوت الْأَوْصَاف قبل وُرُود الشَّرَائِع، وَبعد النّسخ مَعَ انْتِفَاء الْأَحْكَام.
1619 - فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا تدل الْعِلَل السمعية، كَمَا تدل الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة،