فلهذا عُنِىَ الشرع بإيجاب غض البصر وكفِّه عن المحرمات، والتحذير من الفتنة عن طريقه، كما جاء في هاتين الآيتين، وكما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بدٌّ إِنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إِلا المجالس فأَعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غضُّ البصر وكفُّ الأَذى وردُّ السلام , وأَمرٌ بالمعروف ونهىٌ عن المنكر" أَخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدرى، واللفظ للبخارى (?).
والأمر فيها موجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لإِيذانه بمتابعته لهم في هذا الشأن وهيمنته عليهم فيه حتى يكفوا عما اعتادوه في الجاهلية من نظر الرجال إلى النساءِ والنساءِ إِلى الرجال.
هذا، وقد قيل: إن سبب نزول الآية: ما أَخرجه ابن مردويه بسنده عن على بن أبي طالب قال: مر رجل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأَة، ونظرت إِليه، فوسوس لهما الشيطان أَنه لم ينظر أَحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، فبينما الرجل يمشى إلى جنب حائط وهوينظر إِليها، إذ استقبله الحائط فشق أنفه، فقال: والله لا أَغسل الدمَ حتى آتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَأخبرَه أَمرى، فأَتاه فقص عليه قصته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذا عقوبة ذنبك" وأنزل الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} انظر الآلوسى.
وغض البصر: خفضه كَفًّا له عن النظر، ولفظ (مِنْ) في قوله تعالى: {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} إِما لابتداءِ الغاية - كما قال ابن عطية - وإما أن تكون للتبعيض، فلمراد: غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل (?) كالنظر إلى الزوجة والمحرم، ويجب أن يتجرد نظره إِلى المحرم عن الشهوة , بل لقد كره الشعبى أَن يديم الرجل النظر إِلى ابنته أَوأمه أوأخته ,