وامتحانًا وابتلاءً، فهو يُقَلّبهم جل ثناؤه بين ألوان من السراء والضراء، فتارة بالخوف وتارة بالجوع، وتارة بنقص الأموال والأنفس والثمرات، ثم إن العقبى للصابرين المسترجعين.

فقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.

قال الراغب: (هذه الآية مشتملة على محن الدنيا كلها).

وفي التنزيل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31].

قال ابن عباس: (أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء، وأنَّه مبتليهم فيها، وأمرَهم بالصبر، وبشّرهم فقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصفوته، لتطيب أنفسهم، فقال: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا}.

وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ}.

أي: لنختبرنكم. {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} قال ابن عباس: (أي خوف العدو والفزع في القتال). {وَالْجُوعِ}، قال ابن عباس: (يعني المجاعة بالجدب والقحط). {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} أي: ذهاب بعضها، إما بسبب الاشتغال بقتال الكفار أو بالجوائح المتلفة أو الخسارة في التجارة.

{وَالْأَنْفُسِ} قال ابن عباس: (بالقتل والموت في الجهاد). وقال الشافعي: (يعني بالأمراض). وقال ابن كثير: (كموت الأصحاب والأقارب والأحباب).

{وَالثَّمَرَاتِ} قال ابن عباس: (المراد قلة النبات وانقطاع البركات). وقال الشافعي: (المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه). وقال ابن جرير: (جُدوب تحدُث فتنقص لها ثماركم). وقال ابن كثير: (أي: لا تُغِلّ الحدائق والمزارع كعادتها).

وقوله: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.

أي: بالثواب العظيم والأجر الكريم.

والصبر أصله الحبس. قال القرطبي: (لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى. كما روى البخاري عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015