مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

في هذه الآية: دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش، وفي أن يبقى البلد المبارك - مكة - آمنًا من الجبابرة وأهل الظلم أن يسلّطوا عليه، وآمنًا من عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان، من خسف وائتفاك وغرق، وغير ذلك من سخط الله وَمَثُلاته التي يُنزلها بسائر البلاد غيره.

فلم تزل مكة بعد ذلك حرمًا من الجبابرة والمتسلطين، ومن الخسوف والزلازل، وسائر المثلات التي تصيب البلاد. قال القرطبي: (وجعل في النفوس المتمرّدة من تعظيمها والهيبةِ لها ما صار به أهلها متميّزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى. ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها، فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يهيج الكلب الصيدَ ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب).

ثمَّ إن مكة كانت حلالًا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد، فصارت بدعوته حرامًا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمْنًا بعد أن كانت حلالًا. وفي ذلك أحاديث:

الحديث الأوّل: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن زيد بن عاصم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [إن إبراهيم حرَّم مكةَ ودعا لأهلها، وإني حرّمت المدينةَ كما حرَّم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدِّها بمِثْلَي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة] (?).

الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمت المدينة ما بينَ لابتَيْها، لا يُقْطع عِضَاهُهَا (?) ولا يُصادُ صيدها] (?).

الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس، يقول: [قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحةَ: التَمِسْ لي غلامًا من غِلمانِكُمْ، يَخْدُمُني، فخرج بي أبو طلحة يُرْدِفُني

طور بواسطة نورين ميديا © 2015