عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي مُصَابِهِ الشُّعَرَاءُ فَأَكْثَرُوا. وَفِيهَا مَلَكَتِ الْفِرَنْجُ مَدِينَةَ صِقِلِّيَةَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، ومات ملكهم فقام ولده مقامه فسار في الناس سيرة ملوك المسلمين، حتى كأنه منهم، لما ظهر منه من الإحسان إلى المسلمين. وَفِيهَا كَانَتْ زَلَازِلُ كَثِيرَةٌ بِالشَّامِ وَغَيْرِهَا، فَهَدَّمَتْ بنيانا كثيرا، مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ تِسْعُونَ بُرْجًا مِنْ سُورِ أَنْطَاكِيَةَ، وَهَلَكَ تَحْتَ الْهَدْمِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَحَجَّ بالناس خمارتكين.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ.
أَبُو طَاهِرٍ وُلِدَ بِأَصْبَهَانَ، وَتَفَقَّهَ بِسَمَرْقَنْدَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ سَبَبَ فَتْحِهَا عَلَى يَدِ السُّلْطَانِ ملك شاه، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ. قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مَنْدَهْ: لَمْ نَرَ فَقِيهًا فِي وَقْتِنَا أَنْصَفَ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمَ. وَكَانَ فَصِيحَ اللَّهْجَةِ كَثِيرَ الْمُرُوءَةِ غَزِيرَ النِّعْمَةِ، تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ، وَمَشَى الْوُزَرَاءُ وَالْكُبَرَاءُ فِي جنازته، غير أن النظام ركب واعتذر بكبر سَنَةً، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشيرازي، وجاء السلطان إِلَى التُّرْبَةِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: جَلَسْتُ بُكْرَةَ الْعَزَاءِ إِلَى جَانِبِ نِظَامِ الْمُلْكِ وَالْمُلُوكُ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، اجْتَرَأْتُ عَلَى ذَلِكَ بِالْعِلْمِ. حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ
أَبُو نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، كَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، وَلَهُ فِيهَا الْمُصَنَّفَاتُ، وَسَافَرَ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا، وَاتَّفَقَ لَهُ أَنَّهُ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَبَيْنَمَا الْمَوْجُ يَرْفَعُهُ وَيَضَعُهُ إِذْ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ قَدْ زَالَتْ، فَنَوَى الْوُضُوءَ وَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ صَعِدَ فَإِذَا خَشَبَةٌ فَرَكِبَهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَرَزَقَهُ اللَّهُ السَّلَامَةَ بِبَرَكَةِ امتثاله للأمر، واجتهاده على العمل، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ دَهْرًا، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ نَيِّفٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً.
أَبُو بَكْرٍ النَّاصِحُ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ الْمُنَاظِرُ الْمُتَكَلِّمُ المعتزلي، ولى القضاء بنيسابور، ثم عزل لجنونه وكلامه وأخذه الرُّشَا، وَوَلِيَ قَضَاءَ الرَّيِّ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ. تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ منها.
جد الملوك الارتقية الذين هم مُلُوكُ مَارْدِينَ، كَانَ شَهْمًا شُجَاعًا عَالِيَ الْهِمَّةَ، تَغَلَّبَ عَلَى بِلَادٍ كَثِيرَةٍ وَقَدْ تَرْجَمَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ وَأَرَّخَ وَفَاتَهُ بِهَذِهِ السَّنَةِ.
فيها أمر السلطان ملك شاه ببناء سور سُوقِ الْمَدِينَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِطُغْرُلْبَكَ، إِلَى جَانِبِ دَارِ الْمُلْكِ، وَجَدَّدَ خَانَاتِهَا وَأَسْوَاقَهَا وَدُورَهَا، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْجَامِعِ الَّذِي تَمَّ عَلَى يَدِ هَارُونَ الْخَادِمِ، فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَوَقَفَ عَلَى نَصْبِ قِبْلَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَمُنَجِّمُهُ إِبْرَاهِيمُ حَاضِرٌ، وَنُقِلَتْ أَخْشَابُ جَامِعِ سَامَرَّا، وَشَرَعَ نِظَامُ الْمُلْكِ فِي بناء دار له هائلة، وَكَذَلِكَ تَاجُ الْمُلُوكِ أَبُو الْغَنَائِمِ، شَرَعَ فِي بناء دار