وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ الْخَبَرِ وَسَكَتَ عَنْ آخِرِهِ. وَهَذَا الَّذِي [ذَكَرَهُ] أَيْضًا بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّ أَنَسًا قَالَ: فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ. وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [1]] . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ إِمَامًا لِلصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْعَمَلِيَّةِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: وَتَقْدِيمُهُ لَهُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَتَقْدِيمُهُ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ وَأَقْرَؤُهُمْ لِمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ الْمُتَّفِقِ عَلَى صِحَّتِهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَكْبُرُهُمْ سِنًّا، فَإِنْ كَانُوا فِي السِّنِّ سَوَاءً فأقدمهم مسلما [2] قُلْتُ وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِمَاءِ الذَّهَبِ ثُمَّ قَدِ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا فِي الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَصَلَاةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ كَمَا قَدَّمْنَا بِذَلِكَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ائتم به عليه السلام لِأَنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
فَائِدَةٌ: اسْتَدَلَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ السلام قَاعِدًا وَأَبُو بَكْرٍ مُقْتَدِيًا بِهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ بأبي بكر على نسخ قوله عليه السلام فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ حِينَ صَلَّى بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ قَاعِدًا. وَقَدْ وَقَعَ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ. قَالَ: كَذَلِكَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ تَفْعَلُونَ كَفِعْلِ فَارِسَ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى عُظَمَائِهِمْ وَهُمْ جُلُوسٌ. وَقَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ. قَالُوا ثم إنه عليه السلام أَمَّهُمْ قَاعِدًا وَهُمْ قِيَامٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَنَوَّعَتْ مَسَالِكُ النَّاسِ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مَوْضِعُ ذِكْرِهَا كِتَابِ الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ. وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ جَلَسُوا لِأَمْرِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَإِنَّمَا اسْتَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ قَائِمًا لِأَجْلِ التَّبْلِيغِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: بَلْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْإِمَامُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لِشِدَّةِ أَدَبِهِ مَعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُبَادِرُهُ بَلْ يَقْتَدِي بِهِ فكأنه عليه السلام صَارَ إِمَامَ الْإِمَامِ فَلِهَذَا لَمْ يَجْلِسُوا لِاقْتِدَائِهِمْ بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ وَلَمْ يَجْلِسِ الصِّدِّيقُ لِأَجْلِ أَنَّهُ إِمَامٌ وَلِأَنَّهُ يُبَلِّغُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالِانْتِقَالَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: فَرْقٌ بين أن يبتدأ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي حَالِ الْقِيَامِ فَيَسْتَمِرَّ فيها قائما