الدِّينِ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ الْحَنَفِيِّ إِلَى مِصْرَ لِيَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا بَعْدَ ابْنِ الْحَرِيرِيِّ، فَخَرَجَ مُسَافِرًا إِلَيْهَا، وَدَخَلَ مَصْرَ فِي خَامِسِ عِشْرِينَ جُمَادَى الْأُولَى، وَاجْتَمَعَ بِالسُّلْطَانِ فَوَلَّاهُ الْقَضَاءَ وَأَكْرَمَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ بَغْلَةً بِزُنَّارِيٍّ، وَحَكَمَ بِالْمَدْرَسَةِ الصَّالِحِيَّةِ بِحَضْرَةٍ الْقُضَاةِ وَالْحُجَّابِ، وَرُسِمَ لَهُ بِجَمِيعِ جِهَاتِ ابْنِ الْحَرِيرِيِّ.

وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ تَاسِعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ أُخْرِجَ مَا كَانَ عِنْدَ الشَّيْخِ تقي الدين بن تَيْمِيَّةَ مِنَ الْكُتُبِ وَالْأَوْرَاقِ وَالدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ، وَمُنِعَ مِنَ الْكُتُبِ وَالْمُطَالَعَةِ، وَحُمِلَتْ كُتُبُهُ فِي مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ إِلَى خِزَانَةِ الْكُتُبِ بِالْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ.

قَالَ الْبِرْزَالِيُّ: وَكَانَتْ نَحْوَ سِتِّينَ مُجَلَّدًا، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ ربطة كراريس، فنظر القضاة والفقهاء فيها وتفوقوها بَيْنَهُمْ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَجَابَ لِمَا كان رد عليه

التقي ابن الْأَخْنَائِيِّ الْمَالِكِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَارَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاسْتَجْهَلَهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَلِيلُ الْبِضَاعَةِ فِي الْعِلْمِ، فَطَلَعَ الْأَخْنَائِيُّ إِلَى السُّلْطَانِ وَشَكَاهُ، فَرَسَمَ السُّلْطَانُ عِنْدَ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِ مَا عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ مَا كَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا.

وَفِي أَوَاخِرِهِ رُسِمَ لِعَلَاءِ الدِّينِ بْنِ الْقَلَانِسِيِّ فِي الدَّسْتِ، مَكَانَ أَخِيهِ جَمَالِ الدِّينِ تَوْقِيرًا لِخَاطِرِهِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومُهُ عَلَى قَضَاءِ الْعَسَاكِرِ وَالْوَكَالَةِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ.

وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثِ عِشْرِينَ رَجَبٍ رُسِمَ لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْحَنَفِيِّ وَالْمَالِكِيِّ وَالْحَنْبَلِيِّ بِالصَّلَاةِ فِي الحائط القبلي من الْأُمَوِيِّ، فَعُيِّنَ الْمِحْرَابُ الْجَدِيدُ الَّذِي بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالْمَقْصُورَةِ لِلْإِمَامِ الْحَنَفِيِّ، وَعُيِّنَ مِحْرَابُ الصَّحَابَةِ لِلْمَالِكِيِّ وَعُيِّنَ مِحْرَابُ مَقْصُورَةِ الْخَضِرِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ الْمَالِكِيُّ لِلْحَنْبَلِيِّ، وَعُوِّضَ إِمَامُ مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ بِالْكَلَّاسَةِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْعِمَارَةِ قَدْ بَلَغَ مِحْرَابَ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْمَقْصُورَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِهِمْ، وَمِحْرَابَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ خَلْفِهِمْ فِي الرُّوَاقِ الثَّالِثِ الْغَرْبِيِّ وَكَانَا بَيْنَ الْأَعْمِدَةِ، فَنُقِلَتْ تِلْكَ الْمَحَارِيبُ، وَعُوِّضُوا بِالْمَحَارِيبِ الْمُسْتَقِرَّةِ بِالْحَائِطِ الْقِبْلِيِّ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.

وَفِي الْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مُسِكَ الْأَمِيرُ تَمُرْتَاشُ بْنُ جُوبَانَ الَّذِي أَتَى هَارِبًا إِلَى السُّلْطَانِ النَّاصِرِ بِمِصْرَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحُبِسُوا بِقَلْعَةِ مِصْرَ، فَلَمَّا كَانَ ثَانِي (?) شَوَّالٍ أُظْهِرَ مَوْتُهُ، يُقَالُ إِنَّهُ قَتَلَهُ السُّلْطَانُ وَأَرْسَلَ رأسه إلى أبي سَعِيدٍ صَاحِبِ الْعِرَاقِ ابْنِ خَرْبَنْدَا مَلِكِ التَّتَارِ.

وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَانِي شَوَّالٍ خَرَجَ الرَّكْبُ الشامي وأميره فخر الدين عثمان بن شمس الدين

طور بواسطة نورين ميديا © 2015