وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها"، أراد: أن تُحدّ، وأن تسأل.
قال: والمختار عندي في "بيد" أن يُجعل حرف استثناء، ويكون التقدير: إلا كلّ أمة أوتوا الكتاب من قبلنا، على معنى لكن؛ لأن معنى "إلا" مفهوم منها، ولا دليل على اسميّتها. انتهى كلام ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ- (?).
وقال الطيبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أقول: هذا الاستثناء من باب تأكيد المدح بما يُشبه الذّمّ، قال النابغة [من الطويل]:
فتًى كَمُلَتْ أَخْلَاقُهُ غَيْرَ أَنَّهُ ... جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ الْمَالِ بَاقِيَا
والبيت يجري في الاستثناء على المنقطع، لا المتّصل بالادّعاء، كما قوله:
وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَن سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِب
يعني: أنه إذا كان فُلول السيف من القِرَاع عَيْبًا، فلهم هذا العيب، ولكن هو من أخصّ صفة الشجاعة، وعلى هذا فمعنى الحديث، وتقريره: نحن السابقون يوم القيامة بما مُنِحنا من الفضائل والكمالات، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا.
وهذا الإيتاء يؤكّد مدح السابقين بما عَقّب من قوله: "وأوتيناه من بعدهم"؛ لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان مسبوقًا في الوجود.
وعلى هذا الأسلوب أيضًا قوله: "ثم هذا يومهم. . . " إلى آخره، يعني: أن يوم الجمعة، وإن أُخّر في الوجود، وأوتيناه من بعدهم، فهو سابق في الفضل والكمال، وإليه أشار -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "والناس لنا فيه تبعٌ". انتهى كلام الطيبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (?).
وقال في "الطرح": وإنما استبعد القاضي عياض كون "بيد" في الحديث الذي نشرحه بمعنى "من أجل"؛ لتعلّقه بأقرب مذكور، وهو "السابقون"، فهو