وفي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا استفتح الصلاة"؛ أي: ابتدأها، فالسين والتاء زائدتان، والمراد من الصلاة ما يشمل الفريضة والنافلة؛ لما في رواية ابن حبان: "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة"، وفي رواية الدارقطنيّ: "كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة"، وفي رواية للنسائيّ: "كان إذا قام يصلي تطوعًا"، وفيه دليل واضح على أن هذه الأدعية مما يستحبّ قولها في الصلاة المكتوبة والنافلة، وفيه ردّ على من خالف ذلك، وقال: لا يجوز ذلك في المكتوبة، فتبصّر.

(قَالَ) أي: بعد تكبيرة الإحرام، ففي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه إذا استفتح الصلاة كبّر، ثم قال: وجّهت. . . إلخ"، وفيه تصريح بأن هذا الدعاء كان بعد تكبيرة الإحرام، وفيه ردّ على من قال: إنه قبل التكبير ("وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) أي: صَوَّبتُ وجهي، وأخلصت في عبادتي، قاله القرطبيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (?).

وقال الأزهريّ، وغيره: معناه: أقبلت بوجهي، وقيل: قصدت بعبادتي، وتوحيدي إليه، ويجوز في "وجهي" إسكان الياء، وفتحها، وأكثر القراء على الإسكان.

(لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أي: ابتدأ خلقهما على غير مثال سابق، وجمع السموات، دون الأرض، وإن كانت سبعًا كالسموات؛ لأنه أراد جنس الأرضين، وجمع السموات؛ لشرفها، قال النوويُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وهذا يؤيد المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض، وقيل: الأرضون أفضل؛ لأنَّها مستقر الأنبياء، ومدفنهم، وهو ضعيف. انتهى.

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مثل هذا البحث من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لم يكلفنا اللَّه -تعالى- بعلمه، ولو كان فيه خير لبيّنه اللَّه -تعالى- في كتابه، أو بيّنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سنته، فاللائق بالمسلم الكفّ عن مثل هذا، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.

وقال القاضي أبو الطيب: جمع السموات دون الأرض؛ لأنا لا ننتفع من الأرضين إلا بالطبقة الأولى، بخلاف السماء، فإن الشمس، والقمر، والكواكب موزعة عليها، وقيل: لأن الأرض السبع لها سكان؛ أخرج البيهقيّ عن أبي

طور بواسطة نورين ميديا © 2015