نرتاب في صحة ذلك، وأن دعاءه استمرّ في الفجر إلى أن فارق الدنيا.
(الوجه الرابع): أن طرق أحاديث أنس تُبَيِّن المراد، ويُصَدِّق بعضها بعضًا، ولا تتناقض.
وفي "الصحيحين" من حديث عاصم الأحول، قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة؟ فقال: قد كان القنوت، فقلت: كان قبل الركوع، أو بعده؟ قال: قبله، قلت: وإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت: قنت بعده، قال: كذب، إنما قلت: قنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد الركوع شهرًا (?).
وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول، تفرد به عاصم، وسائر الرواة عن أنس خالفوه، فقالوا: عاصم ثقة جدًّا، غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع القنوتين، والحافظ قد يَهِمُ، والجواد قد يَعْثُرُ، وحكوا عن الإمام أحمد تعليله، فقال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه -يعني أحمد بن حنبل-: أيقول أحد في حديث أنس: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال: ما علمت أحدًا يقوله غيره (?)، قال أبو عبد اللَّه: خالفهم عاصم كُلَّهُم، هشامٌ، عن قتادة، عن أنس، والتيميُّ، عن أبي مجلز، عن أنس، عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: قنت بعد الركوع، وأيوبُ عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنسًا، وحنظلةُ السدوسي، عن أنس، أربعة وجوه. وأما عاصم، فقال: قلت له؟ فقال: كذبوا، إنما قنت بعد الركوع شهرًا، قيل له: من ذكره عن عاصم؟ قال: أبو معاوية وغيره، قيل لأبي عبد اللَّه: وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟ فقال: بلى كلها عن خُفَاف بن إيماء بن رَحَضَة، وأبي هريرة.