الاشتراك يكون آخر وقت الظهر مجهولًا؛ لأنه إذا ابتدأ بها حين صار ظل كل شيء مثله، لم يعلم متى فرغ منها، وحينئذ يكون آخر وقت الظهر مجهولًا، ولا يحصل بيان حدود الأوقات، وإذا حمل على ما تأولناه حصل معرفة آخر الوقت، وانتظمت الأحاديث على اتفاق، وباللَّه التوفيق. انتهى.
(فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ) أي صلاته (فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ) أي تتغيّر (الشَّمْسُ) قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: معناه: فإنَّه وقت لأدائها بلا كراهة، فإذا اصفرّت صار وقت كراهة، وتكون أيضًا أداءً حتى تغرب الشمس؛ للحديث السابق: "ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر".
وفي هذا الحديث ردٌّ على أبي سعيد الإصطخريّ في قوله: إذا صار ظل الشيء مثليه صارت العصر قضاءً، وقد تقدم قريبًا الاستدلال عليه.
قال أصحابنا -رحمهم اللَّه تعالى-: للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، واختيار، وجواز بلا كراهة، وجواز مع كراهة، ووقت عذر، فأما وقت الفضيلة فأول وقتها، ووقت الاختيار يمتدّ إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ووقت الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة حالة الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر وهو وقت الظهر في حقّ من يَجْمَع بين الظهر والعصر لسفر أو مطر، ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداءً، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاءً، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وهو بحثٌ مفيدٌ. (فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ) أي يغيب من الأفق، والمراد بالشفق هو الأحمر على الأصحّ، وسيأتي تمام البحث في اختلاف العلماء في معنى الشفق في المسألة الحادية عشرة -إن شاء اللَّه تعالى-.
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: هذا الحديث وما بعده من الأحاديث صرائح في أن وقت المغرب يمتدّ إلى غروب الشفق، وهذا أحد القولين في مذهبنا، وهو ضعيف عند جمهور نقلة مذهبنا، وقالوا: الصحيح أنَّه ليس لها إلا وقت واحدٌ، وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذِّن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم، وصارت قضاءً.
وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن