قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي حقّقه القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- من حمل الرؤية على الرؤية الحقيقيّة، كما هو ظاهر النصّ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.

ومن غريب ما رأيته ما كتبه صاحب "فتح المنعم" في هذا المحلّ مستنكرًا هذا المعنى الظاهر، ومرجحًا كون الرؤية بمعنى الإحساس والشعور، وأعجب منه تشبيهه بإحساس الأعمى التي يعطيه تعويضًا عما فقده من البصر، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، فأيّ بصر فقده النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى عوّضه اللَّه إحساسًا كالأعمى؟ إن هذا لهو العجب العجاب.

والحاصل أنه لا ينبغي الالتفات إلى مثل هذا التأويل المزري على منصب النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في تنظيره بالأعمى، وهو -صلى اللَّه عليه وسلم- صرّح تصريحًا لا خفاء فيه ولا لبس بأن اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- خصّه، وفضّله بأن أعطاه إبصارًا من وراء ظهره، كما يبصر من أمامه من غير فرق، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

[تنبيه]: قال في "الفتح": ظاهر الحديث أن ذلك الإبصار يختص بحالة الصلاة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك واقعًا في جميع أحواله، وقد نُقِل ذلك عن مجاهد، وحَكَى بَقِيّ بن مَخْلَد أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء. انتهى.

قال الجامع عفا اللَّه عنه: في كون الإبصار خاصًّا بالصلاة مما يدلّ عليه ظاهر الحديث عندي نظر، بل الاحتمال الثاني هو الظاهر، فالأولى حمله على العموم، كما نُقل عن مجاهد -رَحِمَهُ اللَّهُ-، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- هذا متّفقٌ عليه.

(المسألة الثانية): في تخريجه:

أخرجه (المصنّف) هنا [25/ 962 و 963] (423 و 424)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (418) و"الأذان" (741)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (2/ 119)، و (مالك) في "الموطّأ" (1/ 167)، و (أحمد) في "مسنده" (2/ 234 و 365 و 379)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (6337 و 6338)، و (عليّ بن الجعد) في

طور بواسطة نورين ميديا © 2015