والثاني: بأن يكون "أخوف" من أخاف بمعنى خَوّف، ومعناه: غير

الدجال أشدّ موجبات خوفي عليكم.

والثالث: أن يكون من باب وصف المعاني بما يوصف به الأعيان، على

سبيل المبالغة، كقولهم في الشعر الفصيح: شِعْرٌ شاعرٌ، وخوف فلان أخوف

من خوفك، وتقديره: خوف غير الدجال أخوف خوفي عليكم، ثم حذف

المضاف الأول، ثم الثاني. انتهى كلام الشيخ ابن مالك - رحمه الله - (?).

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن مالك - رحمه الله - بحثٌ نفيسٌ،

وتحقيقٌ أنيسٌ.

وخلاصة المسألة أن النون المذكورة في قوله: "أخوفني" هي النون

المسمّاة بنون الوقاية، وهي تلحق الأفعال دون الأسماء، وذلك لأن الأفعال

إذا اتّصلت بها ياء المتكلّم يلزمها الكسر؛ لأجل الياء، والأفعال لا يدخلها

الكسر، فجيء بالنون قبل الياء لأجل أن تكون الكسوة عليها، وهذا معنى ما

أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:

وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ ... نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ

وأما الأسماء فلا تحتاج إليها؛ لأنها تقبل الكسر، ولذا قلّ ما يصحبها

من الأسماء، كالبيتين السابقين، وكهذا الحديث، والله تعالى أعلم.

قال - صلى الله عليه وسلم -: (إِنْ يَخْرُجْ) الدجّال (وَ) الحال (أَنَا فِيكُمْ، فَأَنَ حَجيجُهُ)؛ أي:

مخاصمه، ومجادله (دُونَكُمْ) أي دون الحاجة إليكم، والمعنى أَنه - صلى الله عليه وسلم - يكفي

أمته في دفع شرّ الدجال بإفحامه، وقَطْع حججه دون أن يحتاج إلى من يدفعه

معه.

وقال القرطبيّ - رحمه الله -: قوله: "إن يخرج وأنا فيكم إلخ " هذا الكلام يدلّ

على أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يتبيّن له وقت خروجه، غير أنه كان يتوقعه، ويقربه،

وكذلك كان يقرّب أمره، حتى يظنوا أنه في النخل القريب منهم، و "حجيجه":

محاجّه، ومخاصمه، وقاطعه بالحجَّة، بإظهار كذبه وإفساد قوله. انتهى (?).

(وَإِنْ يَخْرُجْ، وَ) الحال أني (لَسْتُ فِيكُمْ)؛ أي: بموتي، (فَامْرُؤٌ) التنوين

طور بواسطة نورين ميديا © 2015