وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "بؤس ابن سمية" هو منادى مضاف، ، محذوف
منه حرف النداء، تقديره: يا بؤس ابن سميّة، وهي أمّ عمّار، والبأس،
والبؤس، والبأساء: المكروه، والضرر، وفي الرواية الأخرى: "يا ويس ابن
سُميّة"، وفي البخاريّ: "يا ويح ابن سمية"، وكلاهما بمعنى التفجع، والترحّم،
والويل: بمعنى الهلكة، هذا هو الصحيح، وقد تقدَّم الخلاف فيهما. انتهى
كلام القرطبيّ (?).
وقال الطيبيّ رحمه الله: المعنى: يا بؤس عمار احضري هذا أوانكِ، نادى
بؤسه، وأراد نداءه، ولذلك خاطبه بقوله: "تقتلك الفئة الباغية" يريد معاوية
وقومه، فإنه قُتل يوم صفّين، واتُّسع في حذف "يا"، وهي لا تُحذف عن أسماء
الأجناس، كما أشار إليه ابن مالك رحمه الله في "الخلاصة" بقوله:
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا ... جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وَذَاكَ فِي اسْمِ الْجِنْس وَالْمُشَارِ لَهْ ... قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ
انتهى كلام الطيبيّ رحمه الله (?) بزيادة.
[تنبيه]: سُميّة المذكورة في هذا الحديث هي والدة عمّار بن ياسر - رضي الله عنهم -،
قال في "الإصابة": سمَيّة بنت خُبّاط- بمعجمة مضمومة، وموحدة ثقيلة،
ويقال: بمثناة تحتانية- وعند الفاكهيّ: سمية بنت خَبَط- بفتح أوله بغير ألف-
مولاة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، والدة عمار بن
ياسر، كانت سابعة سبعة في الإسلام، عذّبها أبو جهل، وطعنها في قُبُلها،
فماتت، فكانت أول شهيدة في الإسلام، وكان ياسر حليفًا لأبي حذيفة، فزوّجه
سُمَيَّة، فولدت عمارًا، فأعتقه، وكان ياسر، وزوجته، وولده منها، ممن سبق
إلى الإسلام، قال ابن إسحاق في "المغازي": حدّثني رجال من آل عمار بن
ياسر، أن سمية أم عمار عذبها آل بني المغيرة على الإسلام، وهي تأبى غيره،
حتى قتلوها، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمر بعمار، وأمه، وأبيه، وهم يعذَّبون
بالأبطح في رمضاء مكة، فيقول: "صبرًا يا آل ياسر موعدكم الجنة".