الأخيرة من صُوَر القسم الثاني أيضًا، وهو تعيين المُلك، ومن صُور تعيين
الملك: الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة. انتهى (?).
وقال القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ فيه دليل على أنَّ للقرعة مدخلًا شرعيًّا في الحقوق
المشتركة، وهو قول الكافة، قال أبو عبيدة: وقد عمل بها ثلاثة من الأنبياء: يونس،
وزكريا، ومحمد - صلّى الله عليهم وسلّم أجمعين - قال ابن المنذر: واستعمالها
كالإجماع بين أهل العلم فيما يُقسم بين الشركاء، ولا معنى لقول من ردّها، وحَكَى
عن أبي حنيفة إجازتها، قال: ولا تقسيم في القياس، ولكنا تركنا القياس للآثار.
قال القرطبيّ: ومقتضى هذا أنه قَصَرها على المواضع التي وردت في
الأحاديث، دون تعديتها إلى غيرها، وهو قول مالك أيضًا، والمغيرة، وبعض
أصحابنا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة ترك القول بها، وأنكرها بعض
الكوفيين، وقال: هي كالأزلام، وبإجازتها في المشكلات قال الشافعيّ، قال
القاضي: وهو مشهور مذهب مالك.
وأما القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا، فقد اختَلَف العلماء في ذلك،
فذهب مالك في أحد قوليه، والشافعيّ، وأبو حنيفة إلى أنه لا يخرج منهنّ إلَّا
من خرجت عليها القرعة، تمسُّكًا بظاهر هذا الحديث، فإنه كالنصّ في ذلك،
وقال مالك أيضًا: إن له أن يسافر بمن شاء منهنّ بغير قرعة، وإن القسمة هنا
سقطت للضرورة؛ إذ قد تكون إحداهنّ أخفّ محملًا، وأقلّ مؤونةً، وأصلح
للسفر، والأخرى أصلح للمقام في بيته؛ لسدّ ضيعته، وللقيام بولده، وقد تكون
أثقل جسمًا، وأكثر مؤونة.
قال القرطبيّ: والذي يقع لي أن هذا ليس بخلاف في أصل القرعة في
هذا، وإنما هذا لاختلاف أحوال النساء، فإذا كان فيهنّ من تصلح للسفر، ومن
لا تصلح تعيّن من تصلح، ولا يمكن أن يقال: يجب أن يسافر بمن لا تصلح؛
لأنَّ ذلك ضرر، ومشقة عليه، و"لا ضرر، ولا ضرار" (?)، وانما تدخل القرعة