2 - (ومنها): بيان شدّة عقوبة الله - عَزَّوَجَلَّ -، بحيث إن المؤمن لو علم

بحقيقته، لَمَا طمع في الجنّة، وقريب من هذا الحديث حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -

الآخر، عن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لَمّا خلق الله الجَنَّة والنار، أرسل جبريل إلى

الجَنَّة، فقال: انظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاء، فنظر

إليها، وإلى ما أعدَّ الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه، قال: وعزتك لا يسمع

بها أحد إلَّا دخلها، فأمر بها، فحُفّت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فانظر إلى

ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها، فإذا هي قد حُفّت بالمكاره، فرجع

إليه، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، وقال: اذهب إلى النار،

فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب

بعضها بعضًا، فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد، فيدخلها، فأَمر

بها، فحُفّت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد

خشيت أن لا ينجو منها أحد، إلَّا دخلها"، رواه أبو داود، والنسائيّ،

والترمذيّ، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح.

3 - (ومنها): أن الكرمانيّ - رَحِمَهُ اللهَ - تكلّم هنا على "لو" بما حاصله: أنَّها هنا

لانتفاء الثاني، وهو الرجاء لانتفاء الأول، وهو العلم، فأشبهت: لو جئتني

أكرمتك، وليست لانتفاء الأول لانتفاء الثاني، كما بحثه ابن الحاجب في قوله

تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] والعلم عند الله، قال:

والمقصود من الحديث: أن المكلَّف ينبغي له أن يكون بين الخوف والرجاء،

حتى لا يكون مُفَرِّطًا في الرجاء، بحيث يصير من المرجئة القائلين: لا يضرّ مع

الإيمان شيء، ولا في الخوف بحيث لا يكون من الخوارج، والمعتزلة القائلين

بتخليد صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة في النار، بل يكون وسطًا بينهما،

كما قال الله تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57]، ومن تتبع

دين الإسلام وجد قواعده أصولًا وفروعًا كلها في جانب الوسط، والله أعلم.

4 - (ومنها): أن الحديث قد اشتمل على الوعد والوعيد المقتضيين

للرجاء والخوف، فمن عَلِم أن من صفات الله تعالى الرحمة لمن أراد أن

يرحمه، والانتقام ممن أراد أن ينتقم منه، لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015