ما كانوا قط، فمن كسا لله كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقَى لله
سقاه الله، ومن عفى لثه أعفاه الله".
وخرّج البيهقيّ من حديث أنس مرفوعًا: "أن رجلًا من أهل الجنة يُشرف
يوم القيامة على أهل النار، فيناديه رجل من أهل النار: يا فلان، هل تعرفني؟
فيقول: لا والله، ما أعرفك، من أنت؛ فيقول: أنا الذي مررتَ بي في دار
الدنيا، فاستسقيتني شَرْبة من ماء، فسقيتك، قال: قد عرفت، قال: فاشفع لي
بها عند ربك، قال: فيسأل الله تعالى، فيقول: شَفِّعني فيه، فيأمر به، فيخرجه
من النار" (?).
وقوله: "كربة من كرب يوم القيامة" ولم يقل: من كرب الدنيا والآخرة،
كما قيل في التيسير والستر، وقد قيل في مناسبة ذلك: إن الكُرَب هي الشدائد
العظيمة، وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات
المحتاجة إلى السَّتر، فإن أحدًا لا يكاد يخلو من ذلك، ولو بتعسّر الحاجات
المهمة، وقيل: لأن كُرَب الدنيا بالنسبة إلى كُرَب الآخرة كلا شيء، فلذا
ادّخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده؛ لينفّس به كرب الآخرة، ويدلّ على ذلك
قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُسمعهم
الداعي، وَينفُدهم البصر، وتدنو الشمس منهم، فيبلغ الناس من الكَرْب والغم
ما لا يطيقون، ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما
بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم ... " وذكر حديث الشفاعة،
خرّجاه بمعناه، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وخرّجاه من حديث عائشة -رضي الله عنها-،
عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "تُحشرون حُفاة عُراة غُرْلًا، قالت: فقلت: يا رسول الله
الرجال والنساء ينظر بعضهم بعضًا؟ فقال: الأمر أشدّ من أن يُهِمَّهم ذلك".
وخرّجاه من حديث ابن عمر، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين: 6]، قال: "يقوم أحدهم في الرَّشْح إلى
أنصاف أذنيه".