مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 15،
16]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الحديد: 28]، وقال: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29]، فسّروه بالنصر والنجاة؛ كقوله: {يَوْمَ
الْفُرْقَانِ} [الأنفال: 41]، وقد قيل: نور يفرّق به بين الحقّ والباطل، ومثله
قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:
2، 3]، وَعَد المتقين بالمخارج من الضيق، وبرزق المنافع.
ومن هذا الباب قوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)}
[محمد: 17]، وقوله: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]،
ومنه قوله {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)} [الفتح: 1 - 3].
وبإزاء ذلك أن الضلال والمعاصي تكون بسبب الذنوب المتقدّمة، كما
قال الله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، وقال {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 88]، وقال: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا
قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13]، وقال: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} - إلى
قوله-: {لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109]- إلى قوله-: {يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110]،
وهذا باب واسع.
ولهذا قال من قال من السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنةَ بعدها، وإن
من عقوبة السيئة السيئةَ بعدها.
وقد شاع في لسان العامة أن قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة:
282]، من الباب الأول، حيث يستدلّون بذلك على أن التقوى سبب تعليم الله،
وأكثر الفضلاء يطعنون في هذه الدلالة؛ لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول رَبْط
الجزاء بالشرط، فلم يقل: واتقوا الله يعلمكم، ولا قال: فيعلمكم، وإنما أتى
بواو العطف، وليس من العطف ما يقتضي أن الأول سبب الثاني، وقد يقال:
العطف قد يتضمن معنى الاقتران والتلازم، كما يقال: زرني وأزورك، وسلّم
علينا ونسلّم عليك، ونحو ذلك مما يقتضيه اقتران الفعلين، والتعاوض من
الطرفين، كما لو قال لسيده: أعتقني ولك عليّ ألف، أو قالت المرأة لزوجها: