سخيفين، لا ينبغي أن أشتغل بذكرهما، بل أقول: الحديث ظاهر المعني، لا
يحتاج إلى هذه التكلّفات، فمن الذي أحال كلام الرحم؟ فالذي أنطق الجسم
العاقل قادر على جعل المعاني أجسامًا تتكلّم، بل ثبت لدينا بالنصوص
الصحيحة كلام الجمادات، كحنين الجِذْع، وتسبيح الحصي، وتسبيح الطعام،
وهو يؤكل، فالله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - على كلّ شيء قدير، فدعوى الاستحالة باطلة، فتبصّر
بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ هنا قوله: "فأخذت، فقال له: مه (?) "،
قال في "الفتح": قوله: "فأخذت" كذا للأكثر بحذف مفعول "أخذت"، وفي
رواية ابن السكن: "فأخذت بحقو الرَّحمن"، وفي رواية الطبريّ: بحقوي
الرَّحمن بالتثنية، قال القابسي: أبى أبو زيد المروزيّ أن يقرأ لنا هذا الحرف؛
لإشكاله، ومشى بعض الشراح على الحذف، فقال: أخذت بقائمة من قوائم
العرش، وقال عياض: الحَقْو مَعْقِد الإزار، وهو الموضع الذي يُستجار به،
ويحتزم به على عادة العرب؛ لأنه مِن أحقّ ما يُحامَى عنه، ويُدفَع، كما قالوا:
نمنعه مما نمنع منه أُزُرنا، فاستعير ذلك مجازًا للرحم في استعاذتها بالله من
القطيعة. انتهى.
وقد يُطلق الحقو على الإزار نفسه، كما في حديث أم عطية - رضي الله عنها -:
"فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه"؛ يعني: إزاره، وهو المراد هنا، وهو
الذي جَرَت العادة بالتمسك به عند الإلحاح في الاستجارة، والطلب، والمعنى
على هذا صحيح مع اعتقاد تنزيه الله عن الجارحة.
قال الطيبيّ: هذا القول مبني على الاستعارة التمثيلية، كأنه شبَّه حالة
الرحم، وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة، والذب عنها بحالِ مستجير،