وقال النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ -: قال العلماء: البرّ يكون بمعنى الصلة، وبمعنى
اللطف، والمبرّة، وحسن الصحبة، والعِشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي
مجامع حسن الخلق.
(وَالإِثْمُ مَما حَاكَ فِي صَدْرِكَ)؛ أي: ما شككت فيه، أنه حلال، أو حرام
(وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) فالاحتياط أن تتركه، وقال النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ -: معنى
"حاك في صدرك": أي: تحرّك فيه، وتردّد، ولم ينشرح له الصدر، وحصل في
القلب منه الشكّ، وخَوْف كونه ذنبًا (?).
وقال ابن منظور: قوله: "ما حكّ في نفسك": أي: إذا لَمْ تكن منشرح
الصدر به، وكان في قلبك منه شيء من الشكّ، والرَّيب، وأوهمك أنه ذنب
وخطيئة، ومنه الحديث الآخر: "ما حكّ في صدرك، وإن أفتاك المفتون"، قال
الأزهريّ: ومنه حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "الإثم حَوّاز القلوب" (?)؛
يعني: ما حَزّ في نفسك، وحَكّ فاجتنبه، فإنه الإثم، وإن أفتاك فيه الناس
بغيره (?).
وقال القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: قوله: "والإثم ما حاك في نفسك ... إلخ"؛ أي:
الشيء الذي يؤثر نفرةً، وحَزَازة في القلب، يقال: حاك الشيء في قلبي: إذا
رَسَخ فيه، وثَبَت، ولا يحيك هذا في قلبي؛ أي: لا يثبت فيه، ولا يستقر، قال
شَمِر: الكلام الحانك: هو الراسخ في القلب، وَإنما أحاله النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على هذا
الإدراك القلبيّ؛ لِمَا عَلِم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير قلبه، وأنه
يُدرك ذلك من نفسه، وهذا كما قال في الحديث الآخر: "الإثم حَزَّاز
القلوب"؛ يعني به: القلوب المنشرحة للإسلام، المنوّرة بالعلم الذي قال فيه
مالك: العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب، وهذا الجواب لا يصلح لغليظ
الطبع، قليل الفهم، فإذا سأل عن ذلك مَن قَلَّ فهمه، فصّلت له الأوامر،
والنواهي الشرعيّة، وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: "أمرنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نُنَزّل