ابتداء الكلام (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيَقُولُ: "إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ)؛ أي: أفضله،
وأحسنه، (صِلَةَ الرَّجُلِ) بنصب "صِلةَ" اسمًا لـ "إنّ" مؤخّرًا، وخبرها الجارّ
والمجرور قبله، والصلة بكسر الصاد المهملة، مصدرٌ، يقال: وصلته وصلًا،
وصِلَةً: ضدّ هَجَرته (?). (أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ) بنصب "أهل" على أنَّه مفعول به
لـ "صِلَة"؛ لأنه مصدر يعمل عَمَل فِعله، كما قال في "الخلاصة":
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ ... مُضَافًا أَوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ "أَلْ"
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ "أَنْ "أَوْ "مَا" يَحُلّ ... مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
وقوله: "أهل وُدّ أبيه": بضم الواو، بمعنى المودّة؛ أي: أصحاب
مودّته، ومحبته، (بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ") بتشديد اللام المكسورة: أي: بعد موت
الأب، فيندب صلة أصدقاء الأب، والإحسان إليهم، وإكرامهم بعد موته، كما
هو مندوب قبله، قاله العزيزيّ (?).
وقال المناويّ: قوله: "أهل وُدّ أبيه" بضم الواو، بمعنى المودّة، وقوله:
"بعد أن يولّي الأب": بكسر اللام المشدّدة: أي: يُدبر بموت، أو سفر، قال
التوربشتيّ: وهذه الكلمة مما تخبّط الناس فيها، والذي أعرفه أن الفعل مسند
إلى أبيه؛ أي: بعد أن يموت، أو يغيب أبوه، مِنْ وَلَّى يُوَلِّي.
وقال الطيبيّ: وفي "جامع الأصول"، و"المشارق": "يُوَلّي" بضم الياء،
وفتح الواو، وكسر اللام المشدّدة، والمعنى: أن من جملة المبرّات الفُضْلَى مَبَرّة
الرجل أحباء أبيه، فإن مودة الآباء قرابة الأبناء؛ أي: إذا غاب أبوه، أو مات
يحفظ أهل ودّه، ويُحسن إليهم، فإنه من تمام الإحسان إلى الأب. انتهى (?).
(وَإِنَّ أَبَاهُ)؛ أي: أبا هذا الأعرابيّ (كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ) بن الخطّاب؛ أي:
فأحببت وَصْله بما أعطيته؛ عملًا بهذا الحديث.
والحديث من أفراد المصنّف - رَحِمَهُ اللهَ -، وقد مضى بيان مسائله قبل حديث،
ولله الحمد والمنّة.
{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.