شهد بدرًا، فكأنه قيل: وهل يُسقط عنه شهوده بدرًا هذا الذنب العظيم؟ فأجاب

بقوله: "وما يدريك ... إلخ".

(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) قال القرطبيّ رحمه الله: معنى

"يُدريك": يُعْلِمك، و"لعلّ": للتراخي، لكن هذا الرجاء محقَّق للنبيّ -صلى الله عليه وسلم-؛

بدليل ما ذَكَره الله تعالى في قصة أهل بدر في "آل عمران"، و"الأنفال"، من

ثنائه عليهم، وعَفْوه عنهم، وبدليل قوله -صلى الله عليه وسلم- للذي قال في حاطب: "إنه يدخل

النار"، وأقسم عليه: "كذبت، لا يدخلها، فإنَّه شهد بدرًا"، فهذا إخبار محقَّق،

لا احتمال فيه، ولا تجوُّز. انتهى (?).

وقال في "الفتح": قوله: "لعلّ الله ... إلخ" هكذا في أكثر الروايات

بصيغة الترجي، لكن قال العلماء: إن الترجي في كلام الله تعالى وكلام

رسوله -صلى الله عليه وسلم- للتحقيق والوقوع، وعند أحمد، وأبي داود، وابن أبي شيبة، من

حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بالجزم، ولفظه: "إن الله اطلع على أهل بدر، فقال:

اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، وعند أحمد بإسناد على شرط مسلم، من

حديث جابر -رضي الله عنه- مرفوعًا: "لن يدخل النار أحدٌ شهد بدرًا" (?).

(فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ كَفَرْتُ لَكُمْ") قال النوويّ: قال العلماء:

معناه: الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإن توجَّه على أحد منهم حدِّ، أو غيره أقيم

عليه في الدنيا، ونَقَل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحدّ، وأقامه عمر -رضي الله عنه-

على بعضهم، قال: وضرب النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مِسْطَحًا الحدّ، وكان بدريًّا. انتهى (?).

وقال في "الفتح": قد استُشكل هذا، فإن ظاهره أنه للإباحة، وهو خلاف

عَقْد الشرع.

وأجيب بأنه إخبار عن الماضي؛ أي: كلّ عمل كان لكم فهو مغفور،

ويؤيده أنه لو كان لِمَا يستقبلونه من العمل، لم يقع بلفظ الماضي، ولقال:

فسأغفره لكم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015