رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها جملة تعليليّة، ويَحْتَمل فَتْحها على
تقدير حرف التعليل؛ أي: لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ) بفتح أوله، وضمّ
ثالثه، يقال: سردت الحديث سرْداً، من باب نصر: أتيت به على الوِلاء (?).
(الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ الله-: قالت عائشة - رضي الله عنها - هذا منكرةً عليه إكثاره
من الأحاديث في المجلس الواحد، ولذلك قالت في غير هذه الرواية: "إنما
كان النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يُحدِّثُ حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه"؛ تعني: أنه كان يحدِّث
حديثًا قليلًا، ويَحْتَمِل أن تريد بذلك أنه كان يحدِّث حديثًا واضحاً مبيناً، بحيث
لو عُدَّت كلماته أُحصيت لقلّتها، وبيانها، ويدلّ على صحة هذا التأويل قولها:
"ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسرد الحديث سردكم هذا". انتهى (?).
وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَاب)؛ أي: بالسند السابق، فهو موصول، وليس
معلّقاً.
[تنبيه]: ما ذكره الشيخ الهرريّ في شرحه من أن قوله هنا: "قال ابن
شهاب ... إلخ" تحريف من النُّساخ، ثم تكلّم في تصويبه حسبما رآه، فانظر
شرحه (24/ 101 - 102)، ففيه نظر لا يخفى، والحقّ أنه لا تحريف، وأن
مسلماً ساقه كما سمعه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى
وليّ التوفيق.
(وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ)؛ أي: بعض الناس
متعجّباً من كثرة أحاديثه، مع قصر زمان صحبته للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، (إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ
أَكْثَرَ)؛ أي: من رواية الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم -، (وَاللهُ الْمَوْعِدُ) تقدَّم شرحه قبل
حديث. (وَيَقُولُونَ: مَا) استفهاميّة للتعجبّ والاستغراب، (بَالُ)؛ أي: حال
(الْمُهَاجِرِينَ وَالانصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ )؛ أي: من حيث الكثرةُ.
ثمّ قال أبو هريرة - رضي الله عنه - مبيّناً سبب كثرة أحاديثه: (وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ)؛
أي: عن علّة وسبب كثرة أحاديثي، دون المهاجرين والأنصار. (إِنَّ إِخْوَانِي)
بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها في موضع الاستئناف، كما قال في "الخلاصة":
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ ... وَحَيْثُ "إِنَّ" لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ