وُيروى أيضًا أن الناس قد أُمروا يوم فتح مكة بأن يسيروا إلى كداء،

تفاؤلاً بشعر حسّان - رضي الله عنه -، فكان الأمر كذلك.

(فَإنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ)

ظاهر هذا أن حسّان - رضي الله عنه - قال هذه القصيدة في عمرة الحديبية حين صُدّوا

عن البيت، وقيل: إنه قالها يوم فتح مكة، والظاهر هو الأول؛ لأنه يقول: إن

أعرضتم عنّا، ولم تصدّونا عن البيت أدّينا عمرتنا، وحصل لنا الفتح في هذا

الأمر، وإلا فانتظروا يومًا يُعزّ الله فيه المسلمين، وهو يوم فتح مكة، ما بيّنه

بقوله:

(وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ ... يَوْمِ يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ)

الضِّراب بكسر الضاد المعجمة: المضَاربة بالسيف والقتال، وقوله:

"يُعزّ الله فيه من يشاء" فيه تجاهل العارف، وهو من صنائع البديع، والمراد:

أن الله تعالى يُعزّ المسلمين، ولكنه لم يُصرّح بذلك.

(وَقَالَ اللهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْداً ... يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ)

شهِد حسّان - رضي الله عنه - بتصديقه - صلى الله عليه وسلم - في هذا البيت، ولذلك قال في البيت الذي

بعده:

شَهِدتُ بِهِ فَقُومُوا صَدّقُوهُ ... فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ (?)

أي: لا نقوم لتصديقه، ولا نريده، فعانَدوا، ولمَّا كان كذلك قال:

(وَقَالَ اللهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْداً ... هُمُ الأنصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ)

"عُرضتها" بضم العين: قَصْدها، يقال: اعترضت عُرضه؛ أي: قصدت

قَصْده، والمراد أن الأنصار قَصْدهم لقاء العدوّ والقتال، وقد تكون العرضة

بمعنى القوّة، يقال: فلان عُضة لكذا؛ أي: قويّ عليه، والمراد أن الأنصار

أقوياء على القتال، وإنما خصّ الأنصار بالذكر؛ لأنهم الذين قاموا بمبازرة

النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ عانَد من قومه، وأما المهاجرون فلم يظهر لهم أمر إلا عند

اجتماعهم بالأنصار.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015