وقال في "الفتح": قوله: "لأصرخن بها "؛ أي: بكلمة التوحيد، والمراد:

أنه يرفع صوته جهاراً بين المشركين، وكأنه فَهِم أن أمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - له بالكتمان

ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوةً على ذلك،

ولهذا أقرّه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.

ويؤخذ منه جواز قول الحقّ عند من تُخشَى منه الأذية لمن قاله، وإن كان

السكوت جائزاً، والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد،

وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه.

(بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)؛ أي: بينهم، يقال: هو نازل بين ظَهْرَانَيْهِمْ، بفتح

النون، قال ابن فارس: ولا تُكْسَر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان

للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهِمْ، كلها بمعنى: بينهم، وفائدة إدخاله في

الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن

المعنى: أن ظَهْراً منهم قُدّامه، وظَهْراً وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا

أصله، ثم كَثُر حتى استعمل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم،

قاله الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللهُ- (?).

(فَخَرَجَ) أبو ذرّ من عند النبيّ - صلى الله عليه وسلم - (حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ) الحرام، (فَنَادَى

بِاعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَن مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَثَارَ الْقَوْمُ)؛ أي:

هاجوا، وقاموا إليه، يقال: ثَارَ الغُبارُ يَثُورُ ثَوْراً، وثُؤُوراً، على فُعُول،

وثَوَرَاناً: هاج، ومنه قيل للفتنة: ثَارَتْ، وأَثَارَهَا العَدُوّ، وثَارَ الغضب: احتَدّ،

وثَارَ إلى الشرّ نَهَض (?).

وفي رواية البخاريّ: "فقالوا: قوموا إلى هذا الصابي" -بالياء الليّنة-

فقاموا، وكانوا يُسَمُّون من أسلم صابياً؛ لأنه من صبا يصبو: إذا انتقل من شيء

إلى شيء.

(فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ)؛ أي: ألقوه على الأرض، وفي رواية البخاريّ:

"فضربوه حتى أوجعوه"، وفي رواية: "فضُربت لأموت"؛ أي: ضُربت ضرباً

لا يبالي مَن ضربني أن لو أموت منه.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015