يونس - عَلَيْهِ السَّلَامْ - رَكِب في سفينة، فسكنت، ولم تَجْر، فقال أهلها: فيكم آبق،

فقال: أنا هو، فأبوا أن يكون هو الآبق، فقارعهم، فخرجت القرعة عليه،

فرُمي في البحر، فالتقمه حوت كبير، فأقام في بطنه ما شاء الله تعالى.

وقد اختُلِف في عدد ذلك من يوم إلى أربعين، وهو في تلك المدة

يدعو الله تعالي، ويسبّحه إلى أن عفا الله عنه، فلَفَظه الحوت في ساحل، لا

نبات فيه، وهو كالفرخ، فأنبت الله تعالى عليه من حينه شجرة اليقطين، فسترته

بورقها.

وحَكَى أهل التفسير: أن الله تعالى قَيَّض له أَرْوَى تُرضعه إلى أن قَوِي،

فيبست الشجرة، فاغتم لها، وتألم، فقيل له: أتغتم، وتحزن لهلاك شجرة،

ولم تغتم على هلاك مائة ألف أو يزيدون؟ وقد دلَّ على صحَّة ما ذكر قوله

تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140)} الآياتِ إلى

آخرها [الصافَّات: 139، 140]، وقد رُوي عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "إن للنبوة

أثقالًا، كاد يونس يتفسخ تحتها تفسُّخَ الرُّبَع" (?)، أو كما قال.

قال القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولمّا جرى هذا ليونس - عَلَيْهِ السَّلَامْ -، وأطلق الله تعالى عليه

أنه {مُلِيِمٌ}؛ أي: آتٍ بما يلام عليه، قال الله تعالى على لسان نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا

ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس"؛ لأنَّ ذلك يوهم نقصًا في نبوّته،

وقدحًا في درجته، وقد بيَّنَّا أن "لعبد" هنا بمعنى: لنبيّ، وقد قيل: إنه محمول

على غير الأنبياء، ويكون معناه: لا يَظُنّ أحد ممن ليس بنبيّ - وإن بلغ من

العلم والفضل والمنازل الرفيعة، والمقامات الشريفة الغاية القصوى - أنه يبلغ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015